قالوا: وأمّا قولكم: "لا خلاص عن التسخُّط إلّا به"، فليس بلازمٍ، فإنّ مراتب النّاس في المقدور ثلاثةٌ: الرِّضا وهو أعلاها، والسُّخط وهو أسفلها، والصَّبر عليه بدون الرِّضا به وهو أوسطها. فالأولى للمقرَّبين السّابقين، والثّالثة للمقتصدين، والثّانية للظّالمين١. وكثيرٌ من النّاس يصبر على المقدور فلا يتسخَّطه٢، وهو غير راضٍ به، فالرِّضا أمرٌ آخر.
وقد أشكل على بعض النّاس اجتماعُ٣ الرِّضا مع التّألُّم، وظنّ أنّهما متنافيان، وليس كما ظنَّه. فالمريضُ الشّاربُ للدّواء الكريه متألِّمٌ به راضٍ به. والصّائمُ في نهار رمضان٤ في شدّة الحرِّ متألِّمٌ بصومه راضٍ به. والبخيلُ متألِّمٌ بإخراج زكاته راضٍ بها. فالتّألُّمُ كما٥ لا ينافي الصّبر، لا ينافي الرِّضا به.
وهذا الخلاف بينهم إنّما هو في الرِّضا بقضائه الكونيِّ. وأمّا الرِّضا به ربًّا
(١) ل، م، ج: "والثانية للمقتصدين، والثالثة للظالمين"، ومن ثم وضع بعضهم فوق "الثالثة" و"الثانية" في الأصل حرف الميم علامة المقدَّم والمؤخَّر، وهو غلط.
(٢) ع: "فلا يتسخَّط".
(٣) لفظ "اجتماع" ساقط من ش، وكان ساقطًا من الأصل أيضًا ثم استدرك في هامشه.
(٤) ع: "شهر رمضان".
(٥) ج: "كما أنه"، وقد زاد بعضهم "أنه" في هامش ق أيضًا.
وإلهًا والرِّضا بأمره الدِّينيِّ، فمتّفَقٌ على فرضيّته. بل لا يصير العبد مسلمًا إلّا بهذا الرِّضا: أن يرضى بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ رسولًا١.
ومن هذا أيضًا: اختلافهم في الخشوع في الصّلاة، وفيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. وعلى القولين اختلافُهم في وجوب الإعادة٢ على من غلب عليه الوسوسة في صلاته. فأوجبها ابنُ حامدٍ من أصحاب أحمد٣، وأبو حامدٍ الغزاليُّ في "إحيائه"٤. ولم يوجبها أكثر الفقهاء، واحتجُّوا بأنّ النبيّ ﷺ أمر من سها في صلاته بسجدتي السّهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله: "إنّ الشّيطان يأتيه في صلاته، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا حتّى يظلّ٥ الرّجل إن يدري كم صلّى"٦. ولكن لا نزاع أنّ هذه الصّلاة لا يثاب منها إلّا بقدر حضور قلبه وخشوعه، كما قال النّبيُّ ﷺ: "إنّ العبد لينصرف من الصّلاة ولم يُكتَبْ له إلّا نصفُها، ثلثُها، ربعُها"٧
حتّى بلغ
(١) وانظر ما يأتي في منزلة الرضا.
(٢) ق، م: "العيادة"، وكذا كان في ل ثم أصلح. وبعده في ل، م، ج: "عليه على من" وقد زاد بعضهم "عليه" فوق السطر في ق، وهو خطأ.
(٣) انظر: "الشرح الكبير" لابن أبي عمر (١/ ٦٧٦) و"مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦٠٤).
(٤) وكذا نقل عنه شيخ الإسلام كما في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣٣٩)، و"مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦١٢) ولكن أبا حامد مع اشتراطه الخشوع وحضور القلب لم يصرِّح بإعادة الصلاة في "الإحياء" (١/ ١٦٠). وانظر: "المجموع" للنووي (٤/ ١٠٢ - ١٠٣، ١٠٦) و"منهاج السنة" (٥/ ١٩٥).
(٥) رسمه في ق، ش، ج، ع: "يضل".
(٦) أخرجه البخاري (١٢٣١) ومسلم (٣٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
(٧) أخرجه أحمد (١٨٨٩٤) وأبو داود (٧٩٦) والنسائي في "الكبرى" (٦١٥) والبيهقي في "السنن الكبير" (٢/ ٢٨١) وغيرهم من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن عبد الله (أو: عبد الرحمن) بن عَنَمة عن عمار بن يسار ﵄ مرفوعًا. وعمر بن الحكم صدوق، وعبد الله بن عنمة مختلف في صحبته وكذلك في روايته .. وقد صحّح العراقي إسناده في "تخريج الإحياء" (١/ ١٢٠)، والحديث حسَّنه الألباني. وقد روي من أوجه مختلفة، ينظر للتفصيل: "السنن الكبير" (٢/ ٢٨١) و"صحيح أبي داود - الأم" (٣/ ٣٨٢ - ٣٨٥).