مدارج السالكين

وإلهًا والرِّضا بأمره الدِّينيِّ، فمتّفَقٌ على فرضيّته. بل لا يصير العبد مسلمًا إلّا بهذا الرِّضا: أن يرضى بالله ربًّا، وبالإسلام دينًا، وبمحمّدٍ رسولًا١.

ومن هذا أيضًا: اختلافهم في الخشوع في الصّلاة، وفيه قولان للفقهاء، وهما في مذهب أحمد وغيره. وعلى القولين اختلافُهم في وجوب الإعادة٢ على من غلب عليه الوسوسة في صلاته. فأوجبها ابنُ حامدٍ من أصحاب أحمد٣، وأبو حامدٍ الغزاليُّ في "إحيائه"٤. ولم يوجبها أكثر الفقهاء، واحتجُّوا بأنّ النبيّ ﷺ أمر من سها في صلاته بسجدتي السّهو ولم يأمره بالإعادة مع قوله: "إنّ الشّيطان يأتيه في صلاته، فيقول: اذكر كذا، اذكر كذا حتّى يظلّ٥ الرّجل إن يدري كم صلّى"٦. ولكن لا نزاع أنّ هذه الصّلاة لا يثاب منها إلّا بقدر حضور قلبه وخشوعه، كما قال النّبيُّ ﷺ: "إنّ العبد لينصرف من الصّلاة ولم يُكتَبْ له إلّا نصفُها، ثلثُها، ربعُها"٧

حتّى بلغ

  1. (١) وانظر ما يأتي في منزلة الرضا.
  2. (٢) ق، م: "العيادة"، وكذا كان في ل ثم أصلح. وبعده في ل، م، ج: "عليه على من" وقد زاد بعضهم "عليه" فوق السطر في ق، وهو خطأ.
  3. (٣) انظر: "الشرح الكبير" لابن أبي عمر (١/ ٦٧٦) و"مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦٠٤).
  4. (٤) وكذا نقل عنه شيخ الإسلام كما في "الفتاوى الكبرى" (٥/ ٣٣٩)، و"مجموع الفتاوى" (٢٢/ ٦١٢) ولكن أبا حامد مع اشتراطه الخشوع وحضور القلب لم يصرِّح بإعادة الصلاة في "الإحياء" (١/ ١٦٠). وانظر: "المجموع" للنووي (٤/ ١٠٢ - ١٠٣، ١٠٦) و"منهاج السنة" (٥/ ١٩٥).
  5. (٥) رسمه في ق، ش، ج، ع: "يضل".
  6. (٦) أخرجه البخاري (١٢٣١) ومسلم (٣٨٩) من حديث أبي هريرة ﵁.
  7. (٧) أخرجه أحمد (١٨٨٩٤) وأبو داود (٧٩٦) والنسائي في "الكبرى" (٦١٥) والبيهقي في "السنن الكبير" (٢/ ٢٨١) وغيرهم من حديث سعيد بن أبي سعيد المقبري عن عمر بن الحكم عن عبد الله (أو: عبد الرحمن) بن عَنَمة عن عمار بن يسار ﵄ مرفوعًا. وعمر بن الحكم صدوق، وعبد الله بن عنمة مختلف في صحبته وكذلك في روايته .. وقد صحّح العراقي إسناده في "تخريج الإحياء" (١/ ١٢٠)، والحديث حسَّنه الألباني. وقد روي من أوجه مختلفة، ينظر للتفصيل: "السنن الكبير" (٢/ ٢٨١) و"صحيح أبي داود - الأم" (٣/ ٣٨٢ - ٣٨٥).
170

عشرها. وقال ابن عبّاسٍ ﵄: ليس لك من صلاتك إلّا ما عقلتَ منها١. فليست صحيحةً باعتبار ترتُّب كمال مقصودها عليها، وإن سمِّيت صحيحةً باعتبار أنّا لا نأمره بالإعادة. ولا ينبغي أن يُطلَق لفظُ الصِّحّة عليها، فيقال: صلاةٌ صحيحةٌ، مع أنّه لا يثاب٢ فاعلُها٣.

والقصد أنَّ هذه الأعمالَ واجبَها ومستحبَّها هي عبوديّةُ القلب، فمن عطَّلَها فقد عطَّلَ عبوديّةَ المَلِك، وإن قام بعبوديّة رعيّته من الجوارح.

والمقصود أن يكون مَلِكُ الأعضاء قائمًا بعبوديّته لله تعالى، هو ورعيّته.

وأمّا المحرَّمات التي عليه، فكالكبر، والرِّياء، والعُجْب، والحسد،

  1. (١) عزاه إلى ابن عباس شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه. انظر مثلًا: "الفتاوى الكبرى" (٢/ ٥، ٨، ٢٢١، ٢٢٦)، و"منهاج السنة" (٦/ ٢١٧) والإحالات السابقة آنفًا. وسيأتي مرة أخرى في منزلة الخشوع وقد ذكره في "كتاب الصلاة" (ص ٢٥٦) على أنه حديث مرفوع. وقد نقله صاحب "عوارف المعارف" (ص ١٦٨) عن عمار بن ياسر ﵁ مرفوعًا، ولعله اعتمد على صاحب "الإحياء" (١/ ١٦١) الذي غرَّه سياق الكلام في "قوت القلوب" (٢/ ١٧٠).
  2. (٢) ع: "لا يثاب عليها".
  3. (٣) سيأتي تفصيل أدلَّة القولين مع الترجيح في منزلة الخشوع (٢/ ٢٠١).
171

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي