عشرها. وقال ابن عبّاسٍ ﵄: ليس لك من صلاتك إلّا ما عقلتَ منها١. فليست صحيحةً باعتبار ترتُّب كمال مقصودها عليها، وإن سمِّيت صحيحةً باعتبار أنّا لا نأمره بالإعادة. ولا ينبغي أن يُطلَق لفظُ الصِّحّة عليها، فيقال: صلاةٌ صحيحةٌ، مع أنّه لا يثاب٢ فاعلُها٣.
والقصد أنَّ هذه الأعمالَ واجبَها ومستحبَّها هي عبوديّةُ القلب، فمن عطَّلَها فقد عطَّلَ عبوديّةَ المَلِك، وإن قام بعبوديّة رعيّته من الجوارح.
والمقصود أن يكون مَلِكُ الأعضاء قائمًا بعبوديّته لله تعالى، هو ورعيّته.
وأمّا المحرَّمات التي عليه، فكالكبر، والرِّياء، والعُجْب، والحسد،
(١) عزاه إلى ابن عباس شيخ الإسلام في مواضع كثيرة من كتبه. انظر مثلًا: "الفتاوى الكبرى" (٢/ ٥، ٨، ٢٢١، ٢٢٦)، و"منهاج السنة" (٦/ ٢١٧) والإحالات السابقة آنفًا. وسيأتي مرة أخرى في منزلة الخشوع وقد ذكره في "كتاب الصلاة" (ص ٢٥٦) على أنه حديث مرفوع. وقد نقله صاحب "عوارف المعارف" (ص ١٦٨) عن عمار بن ياسر ﵁ مرفوعًا، ولعله اعتمد على صاحب "الإحياء" (١/ ١٦١) الذي غرَّه سياق الكلام في "قوت القلوب" (٢/ ١٧٠).
(٢) ع: "لا يثاب عليها".
(٣) سيأتي تفصيل أدلَّة القولين مع الترجيح في منزلة الخشوع (٢/ ٢٠١).
فالكبائر: كالرِّياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله تعالى، واليأس من رَوح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسُّرور بأذى المسلمين، والشّماتة بمصيبتهم، ومحبَّته٢ أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمنِّي زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشدُّ تحريمًا من الزِّنى، وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظّاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلّا باجتنابها والتّوبة منها، وإلّا فهو قلبٌ فاسدٌ، وإذا فسد القلب فسد البدن.
وهذه الآفات إنّما تنشأ من الجهل بعبوديّة القلب، وترك القيام بها. فوظيفة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على القلب قبل الجوارح، فإذا جَهِلَها وترَكَ القيامَ بها امتلأ بأضدادها ولا بدّ. وبحسب قيامه بها يتخلَّص من أضدادها.
وهذه الأمور ونحوها٣ قد تكون صغائر في حقِّه، وقد تكون كبائر، بحسب قوّتها وغلظها، وخفّتها ورقّتها٤.
ومن الصّغائر أيضًا: شهوة المحرّمات وتمنِّيها. وتفاوتُ درجات الشّهوة في الكبر والصِّغر بحسبِ تفاوتِ درجات المشتهى. فشهوة الكفر