فالكبائر: كالرِّياء، والعجب، والكبر، والفخر، والخيلاء، والقنوط من رحمة الله تعالى، واليأس من رَوح الله، والأمن من مكر الله، والفرح والسُّرور بأذى المسلمين، والشّماتة بمصيبتهم، ومحبَّته٢ أن تشيع الفاحشة فيهم، وحسدهم على ما آتاهم الله من فضله، وتمنِّي زوال ذلك عنهم، وتوابع هذه الأمور التي هي أشدُّ تحريمًا من الزِّنى، وشرب الخمر وغيرهما من الكبائر الظّاهرة، ولا صلاح للقلب ولا للجسد إلّا باجتنابها والتّوبة منها، وإلّا فهو قلبٌ فاسدٌ، وإذا فسد القلب فسد البدن.
وهذه الآفات إنّما تنشأ من الجهل بعبوديّة القلب، وترك القيام بها. فوظيفة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ على القلب قبل الجوارح، فإذا جَهِلَها وترَكَ القيامَ بها امتلأ بأضدادها ولا بدّ. وبحسب قيامه بها يتخلَّص من أضدادها.
وهذه الأمور ونحوها٣ قد تكون صغائر في حقِّه، وقد تكون كبائر، بحسب قوّتها وغلظها، وخفّتها ورقّتها٤.
ومن الصّغائر أيضًا: شهوة المحرّمات وتمنِّيها. وتفاوتُ درجات الشّهوة في الكبر والصِّغر بحسبِ تفاوتِ درجات المشتهى. فشهوة الكفر
(١) ش: "وهو"، من سهو الناسخ.
(٢) م، ش، ع: "ومحبة". وفي ج: "والمحبة".
(٣) "ونحوها" ساقط من ش.
(٤) ع: "ودقَّتها".
والشِّرك كفرٌ، وشهوة البدعة فسقٌ، وشهوة الكبائر معصيةٌ. فإن ترَكَها لله مع قدرته عليها أُثيبَ، وإن ترَكَها عجزًا مع بذله مقدورَه في تحصيلها استحقَّ عقوبة الفاعل، لتنزُّله منزلتَه في أحكام الثّواب والعقاب، وإن لم ينزل١ منزلته في أحكام الشّرع. ولهذا قال النّبيُّ ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: هذا القاتل يا رسول الله، فما بال المقتول؟ قال: "إنّه كان حريصًا على قتل صاحبه"٢. فنزَّلَه منزلة القاتل، لحرصه٣، في الإثم دون الحكم. وله نظائر كثيرةٌ في الثّواب والعقاب.
وقد عُلِمَ بهذا مستحَبُّ القلب ومباحُه.
فصل
وأمّا عبوديّات اللِّسان الخمس٤، فواجبها٥: النُّطق بالشّهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن، وهو ما تتوقَّفُ صحّةُ صلاته عليه؛ وتلفُّظه بالأذكار الواجبة في الصّلاة التي أمَر الله بها ورسولُه، كما أمَر بالتّسبيح في الرُّكوع والسُّجود، وأمَر بقول "ربّنا ولك الحمد" بعد الاعتدال، وأمَر بالتّشهُّد، وأمَر بالتّكبير.
ومن واجبه: ردُّ السّلام. وفي ابتدائه قولان.
(١) ع: "يتنزَّل".
(٢) أخرجه البخاري (٣١) ومسلم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) ش: "لخصمه"، وكأن ناسخها خفي عليه السياق، فأصلحه بزعمه.
(٤) ع: "خمسة". وفي م، ش، ج: "الخمسة". وكذا كان في ل ثم أصلح.