والشِّرك كفرٌ، وشهوة البدعة فسقٌ، وشهوة الكبائر معصيةٌ. فإن ترَكَها لله مع قدرته عليها أُثيبَ، وإن ترَكَها عجزًا مع بذله مقدورَه في تحصيلها استحقَّ عقوبة الفاعل، لتنزُّله منزلتَه في أحكام الثّواب والعقاب، وإن لم ينزل١ منزلته في أحكام الشّرع. ولهذا قال النّبيُّ ﷺ: "إذا تواجه المسلمان بسيفيهما فالقاتل والمقتول في النار". قالوا: هذا القاتل يا رسول الله، فما بال المقتول؟ قال: "إنّه كان حريصًا على قتل صاحبه"٢. فنزَّلَه منزلة القاتل، لحرصه٣، في الإثم دون الحكم. وله نظائر كثيرةٌ في الثّواب والعقاب.
وقد عُلِمَ بهذا مستحَبُّ القلب ومباحُه.
فصل
وأمّا عبوديّات اللِّسان الخمس٤، فواجبها٥: النُّطق بالشّهادتين، وتلاوة ما يلزمه تلاوته من القرآن، وهو ما تتوقَّفُ صحّةُ صلاته عليه؛ وتلفُّظه بالأذكار الواجبة في الصّلاة التي أمَر الله بها ورسولُه، كما أمَر بالتّسبيح في الرُّكوع والسُّجود، وأمَر بقول "ربّنا ولك الحمد" بعد الاعتدال، وأمَر بالتّشهُّد، وأمَر بالتّكبير.
ومن واجبه: ردُّ السّلام. وفي ابتدائه قولان.
(١) ع: "يتنزَّل".
(٢) أخرجه البخاري (٣١) ومسلم (٢٨٨٨) من حديث أبي بكرة ﵁.
(٣) ش: "لخصمه"، وكأن ناسخها خفي عليه السياق، فأصلحه بزعمه.
(٤) ع: "خمسة". وفي م، ش، ج: "الخمسة". وكذا كان في ل ثم أصلح.
(٥) ش: "فواجباتها".
ومن واجبه: الأمرُ بالمعروف والنّهي عن المنكر، وتعليمُ الجاهل، وإرشادُ الضّالِّ، وأداءُ الشّهادة المتعيِّنة، وصدقُ الحديث.
وأمّا مستحَبُّه، فتلاوة القرآن، ودوام ذكر الله، والمذاكرة في العلم النّافع، وتوابع ذلك.
وأمّا محرَّمه، فهو النُّطقُ بكلِّ ما يبغضه الله ورسوله، كالنُّطق بالبدع المخالفة لما بعث الله به رسولَه، والدُّعاءِ إليها، وتحسينِها وتقويتِها؛ وكالقذفِ، وسبِّ المسلم وأذاه بكلِّ قولٍ، والكذب، وشهادة الزُّور، والقول على الله بلا علمٍ وهو أشدُّها تحريمًا.
ومكروهه: التّكلُّمُ بما تركُه خيرٌ من الكلام به، مع عدم العقوبة عليه.
وقد اختلف السّلف هل في حقِّه كلامٌ مباحٌ متساوي الطّرفين؟ على قولين ذكرهما ابن المنذر وغيره١. أحدهما: أنّه لا يخلو كلُّ متكلَّمٍ٢ به إمّا أن يكون له أو عليه، وليس في حقِّه شيءٌ لا له ولا عليه. واحتجُّوا بالحديث المشهور٣،
وهو: "كلُّ كلام ابن آدم عليه لا له، إلّا ما كان من ذكر الله وما
(٣) كذا قال هنا، وأما في "الداء والدواء" (ص ٣٧٤) فقال: "وقال بعض السلف ... "، وقال المخرج: لم أقف عليه، وهو كذلك. وقد روي بنحوه من حديث أم حبيبة مرفوعًا: "كل كلام ابن آدم عليه لا له، إلا أمرٌ بمعروف أو نهيٌ عن منكر أو ذكرُ اللهِ" ذكره المؤلف أيضًا في "الداء والدواء" (ص ٣٧١ - ٣٧٢)، أخرجه الترمذي (٢٤١٢) وابن ماجه (٣٩٧٤) وعبد الله بن أحمد في زوائده على "الزهد" (١٢٣ - دار ابن رجب) وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٤) والنسائي في "أماليه" (١٥) والحاكم (٢/ ٥١٢) وغيرهم من حديث محمد بن يزيد بن خنيس عن سعيد بن حسان المخزومي عن أم صالح عن صفية بنت شيبة عن أم حبيبة به. وأخرجه البخاري في "التاريخ الكبير" (١/ ٢٦١) عن محمد بن يزيد بن خنيس عن سعيد بن حسان عن أم صالح مرسلًا، وعقبه بأنه رواه قتيبة بن سعيد بإسناده متصلًا عن صفية بنت شيبة به ولكن لم يذكر إسناده. ومحمد بن يزيد بن خنيس فيه لين، وأم صالح فيها جهالة؛ فالحديث ضعيف. انظر: "الضعيفة" (١٣٦٦) و"الداء والدواء" (ص ٣٧٢ - مع التعليق والتخريج).