والاه". واحتجُّوا١ بأنّه يُكتَب عليه كلامُه كلُّه، ولا يُكتَب إلّا الخيرُ والشّرُّ.
وقالت طائفةٌ: بل في الكلام٢ مباحٌ، لا له ولا عليه، كما في حركات الجوارح. قالوا: لأنّ كثيرًا من الكلام لا يتعلَّق به أمرٌ ولا نهيٌ، وهذا شأن المباح.
والتّحقيق: أنّ حركة اللِّسان بالكلام لا تكون متساوية الطّرفين، بل إمّا راجحةً أو مرجوحةً، لأنّ للِّسان شأنٌ٣ ليس لسائر الجوارح. فـ"إذا٤ أصبح ابنُ آدم فإنَّ الأعضاءَ كلَّها تكفِّر اللِّسانَ٥، تقول: اتَّقِ الله، فإنّما نحن بك، فإن استقمتَ استقمنا، وإنّ اعوججتَ اعوججنا"٦. وأكثَرُ ما يكُبُّ
(١) في ش بعده زيادة: "عليه".
(٢) ع: "في هذا الكلام".
(٣) كذا في الأصل وغيره. وفي ج وضع تنوين النصب على النون، وفي م غيَّره بعضهم.
(٤) ع: "وإذا".
(٥) أي تخضع له. وفي ش: "تذكر"، تحريف.
(٦) أخرجه أحمد (١١٩٠٨) وعبد بن حميد (٩٧٧ - المنتخب) والترمذي (٢٤٠٧) وابن أبي الدنيا في "الصمت" (١٢) وابن السُّنِّي في "عمل اليوم والليلة" (١) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٤٥٩٥) وغيرهم من طرق عن حماد بن زيد عن أبي الصَّهْبَاء عن سعيد بن جبير عن أبي سعيد الخدري ﵁ مرفوعًا. وقد روي موقوفًا أيضًا، أخرجه أحمد في "الزهد" (١٠٩٤ - دار ابن رجب) وهناد بن السري في "الزهد" (١٠٩٧) ــ ومن طريقه الترمذي عقب (٢٤٠٧) ــ من طرق عن حماد بن زيد به. فمدار المرفوع والموقوف على أبي الصهباء الكوفي وفيه جهالة، ولعل الاضطراب منه، وهو ممن لا يقبل تفرده. وانظر تخريجه في "الداء والدواء" (ص ٣٧٢ - ٣٧٣).
النّاسَ على مناخرهم في النّار حصائدُ ألسنتهم١.
وكلُّ ما يتلفّظ به اللِّسان فإمّا أن يكون ممّا يرضي الله ورسوله أم لا٢، فإن كان كذلك فهو الرّاجح، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح. وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح٣، فإنّ صاحبها قد ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطّرفين، لما له في ذلك من الرّاحة والمنفعة، فأبيح له استعمالُها فيما فيه منفعةٌ له، ولا مضرّةَ عليه فيه في الآخرة. وأمّا حركة اللِّسان بما لا ينتفع به فلا تكون إلّا مضرّةً، فتأمّله.
(١) أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) والترمذي (٢٦١٦) والنسائي في "الكبرى" (١١٣٣٠) وغيرهم عن أبي وائل عن معاذ بن جبل ﵁، وأبو وائل لم يسمع من معاذ. وله طرق أخرى منقطعة مثل هذا الطريق. وقد أخرجه أحمد مختصرًا (٢٢٠٦٣) وغيره من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ به، وشهر بن حوشب فيه لين، ولذا علقه البخاري بصيغة التمريض في "خلق أفعال العباد" (ص ٧٣)، وطريق شهر بن حوشب هو الذي رجحه الدارقطني في "العلل" (٩٨٨؛ ٦/ ٧٩) وقال: "لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عنه" .. انظر للتفصيل: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (الحديث التاسع والعشرون) و"إرواء الغليل" (٤١٣) و"الداء والدواء (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦؛ التخريج).