مدارج السالكين

النّاسَ على مناخرهم في النّار حصائدُ ألسنتهم١.

وكلُّ ما يتلفّظ به اللِّسان فإمّا أن يكون ممّا يرضي الله ورسوله أم لا٢، فإن كان كذلك فهو الرّاجح، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح. وهذا بخلاف حركات سائر الجوارح٣، فإنّ صاحبها قد ينتفع بتحريكها في المباح المستوي الطّرفين، لما له في ذلك من الرّاحة والمنفعة، فأبيح له استعمالُها فيما فيه منفعةٌ له، ولا مضرّةَ عليه فيه في الآخرة. وأمّا حركة اللِّسان بما لا ينتفع به فلا تكون إلّا مضرّةً، فتأمّله.

  1. (١) أخرجه أحمد (٢٢٠١٦) والترمذي (٢٦١٦) والنسائي في "الكبرى" (١١٣٣٠) وغيرهم عن أبي وائل عن معاذ بن جبل ﵁، وأبو وائل لم يسمع من معاذ. وله طرق أخرى منقطعة مثل هذا الطريق. وقد أخرجه أحمد مختصرًا (٢٢٠٦٣) وغيره من حديث شهر بن حوشب عن عبد الرحمن بن غَنْم عن معاذ به، وشهر بن حوشب فيه لين، ولذا علقه البخاري بصيغة التمريض في "خلق أفعال العباد" (ص ٧٣)، وطريق شهر بن حوشب هو الذي رجحه الدارقطني في "العلل" (٩٨٨؛ ٦/ ٧٩) وقال: "لأن الحديث معروف من رواية شهر على اختلاف عنه" .. انظر للتفصيل: "جامع العلوم والحكم" لابن رجب (الحديث التاسع والعشرون) و"إرواء الغليل" (٤١٣) و"الداء والدواء (١/ ٣٦٥ - ٣٦٦؛ التخريج).
  2. (٢) ع: "أو لا".
  3. (٣) ما عدا ع: "سائر حركات الجوارح".
176

فإن قيل: فقد يتحرّك بما فيه منفعةٌ ديناويَّةٌ مباحةٌ مستويةُ الطّرفين، فيكون حكمُ حركته حكمَ ذلك الفعل.

قيل: حركتُه بها عند الحاجة إليها راجحةٌ، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحةٌ لا تفيده، فتكون عليه لا له.

فإن قيل: إذا١ كان الفعلُ متساويَ الطّرفين كانت حركةُ اللِّسان الوسيلةُ إليه كذلك، إذ الوسيلةُ تابعةٌ للمقصود في الحكم.

قيل: لا يلزم ذلك. فقد يكون الشّيءُ مباحًا بل واجبًا، ووسيلتُه مكروهةٌ كالوفاء بالطّاعة المنذورة، هو٢ واجبٌ مع أنَّ وسيلته ــ وهو النّذر ــ مكروهٌ منهيٌّ عنه. وكذلك الحلف المكروه مرجوحٌ، مع وجوب الوفاء أو الكفّارة. وكذلك سؤالُ الخلق عند الحاجة مكروهٌ، ويباح له الانتفاعُ بما أخرجته له المسألة٣. وهذا كثيرٌ جدًّا، فقد تكون الوسيلةُ متضمِّنةً مفسدةً تُكرَه أو تحرَّم لأجلها، وما جُعِلت وسيلةً إليه ليس بحرامٍ ولا مكروهٍ.

فصل

وأمّا العبوديّات الخمس على الجوارح، فعلى خمسة٤ وعشرين مرتبةً أيضًا، إذ الحواسُّ خمسةٌ٥، وعلى كلِّ حاسّةٍ خمس عبودياتٍ.

  1. (١) ع: "فإذا".
  2. (٢) ش: "وهو".
  3. (٣) من هنا سقطت لوحة في تصوير الأصل (ق ٣١/ب- ٣٢/أ).
  4. (٤) م: "خمس" على الجادة.
  5. (٥) غيِّر في ل إلى "خمس".
177

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي