مدارج السالكين

فإن قيل: فقد يتحرّك بما فيه منفعةٌ ديناويَّةٌ مباحةٌ مستويةُ الطّرفين، فيكون حكمُ حركته حكمَ ذلك الفعل.

قيل: حركتُه بها عند الحاجة إليها راجحةٌ، وعند عدم الحاجة إليها مرجوحةٌ لا تفيده، فتكون عليه لا له.

فإن قيل: إذا١ كان الفعلُ متساويَ الطّرفين كانت حركةُ اللِّسان الوسيلةُ إليه كذلك، إذ الوسيلةُ تابعةٌ للمقصود في الحكم.

قيل: لا يلزم ذلك. فقد يكون الشّيءُ مباحًا بل واجبًا، ووسيلتُه مكروهةٌ كالوفاء بالطّاعة المنذورة، هو٢ واجبٌ مع أنَّ وسيلته ــ وهو النّذر ــ مكروهٌ منهيٌّ عنه. وكذلك الحلف المكروه مرجوحٌ، مع وجوب الوفاء أو الكفّارة. وكذلك سؤالُ الخلق عند الحاجة مكروهٌ، ويباح له الانتفاعُ بما أخرجته له المسألة٣. وهذا كثيرٌ جدًّا، فقد تكون الوسيلةُ متضمِّنةً مفسدةً تُكرَه أو تحرَّم لأجلها، وما جُعِلت وسيلةً إليه ليس بحرامٍ ولا مكروهٍ.

فصل

وأمّا العبوديّات الخمس على الجوارح، فعلى خمسة٤ وعشرين مرتبةً أيضًا، إذ الحواسُّ خمسةٌ٥، وعلى كلِّ حاسّةٍ خمس عبودياتٍ.

  1. (١) ع: "فإذا".
  2. (٢) ش: "وهو".
  3. (٣) من هنا سقطت لوحة في تصوير الأصل (ق ٣١/ب- ٣٢/أ).
  4. (٤) م: "خمس" على الجادة.
  5. (٥) غيِّر في ل إلى "خمس".
177

فعلى السَّمع وجوبُ الإنصات والاستماع لما أوجبه الله تعالى ورسوله ﷺ عليه، من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما. وكذلك استماع القراءة في الصَّلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة للجمعة في أصحِّ قولي العلماء.

ويحرم عليه استماعُ الكفر والبدع، إلّا حيث يكون في استماعه مصلحةٌ راجحةٌ، من ردِّه، أو الشّهادة على قائله، أو زيادة قوّة الإيمان والسُّنّة بمعرفة ضدِّهما من الكفر والبدعة، ونحو ذلك؛ وكاستماع سِرار من يهرب عنك بسرِّه، ولا يحبُّ أن يطلعك عليه، ما لم يكن متضمِّنًا لحقٍّ لله يجب١ القيام به، أو لأذى مسلمٍ يتعيَّن نصحُه وتحذيرُه منه.

وكذلك استماع أصوات النِّساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهنّ، إذا لم تدعُ إليه حاجةٌ من شهادةٍ، أو معاملةٍ، أو استفتاءٍ، أو محاكمةٍ، أو مداواةٍ٢، ونحوها.

وكذلك استماعُ المعازف وآلات الطَّرب واللَّهو٣، كالعود والطُّنبور واليرَاع ونحوها. ولا يجب عليه سدُّ أذنه إذا سمع الصّوت، وهو لا يريد استماعه، إلّا إذا خاف السُّكونَ إليه والإنصاتَ، فحينئذٍ يجب تجنُّبُ سَمْعِه وجوبَ سدِّ الذّرائع.

ونظير هذا: المُحْرِمُ لا يجوز له تعمُّدُ شمِّ الطّيب، وإذا حملت الرِّيحُ

  1. (١) م، ش، ج: "لحق الله بحسب". وكذا كان في ل دون أسنان السين ثم طمست ألف لفظ الجلالة وعلامة إهمال الحاء في "بحسب".
  2. (٢) ما عدا ع، ش: "ومداواة".
  3. (٣) ج: "اللهو والطرب".
178

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي