مدارج السالكين

فعلى السَّمع وجوبُ الإنصات والاستماع لما أوجبه الله تعالى ورسوله ﷺ عليه، من استماع الإسلام والإيمان وفروضهما. وكذلك استماع القراءة في الصَّلاة إذا جهر بها الإمام، واستماع الخطبة للجمعة في أصحِّ قولي العلماء.

ويحرم عليه استماعُ الكفر والبدع، إلّا حيث يكون في استماعه مصلحةٌ راجحةٌ، من ردِّه، أو الشّهادة على قائله، أو زيادة قوّة الإيمان والسُّنّة بمعرفة ضدِّهما من الكفر والبدعة، ونحو ذلك؛ وكاستماع سِرار من يهرب عنك بسرِّه، ولا يحبُّ أن يطلعك عليه، ما لم يكن متضمِّنًا لحقٍّ لله يجب١ القيام به، أو لأذى مسلمٍ يتعيَّن نصحُه وتحذيرُه منه.

وكذلك استماع أصوات النِّساء الأجانب التي تخشى الفتنة بأصواتهنّ، إذا لم تدعُ إليه حاجةٌ من شهادةٍ، أو معاملةٍ، أو استفتاءٍ، أو محاكمةٍ، أو مداواةٍ٢، ونحوها.

وكذلك استماعُ المعازف وآلات الطَّرب واللَّهو٣، كالعود والطُّنبور واليرَاع ونحوها. ولا يجب عليه سدُّ أذنه إذا سمع الصّوت، وهو لا يريد استماعه، إلّا إذا خاف السُّكونَ إليه والإنصاتَ، فحينئذٍ يجب تجنُّبُ سَمْعِه وجوبَ سدِّ الذّرائع.

ونظير هذا: المُحْرِمُ لا يجوز له تعمُّدُ شمِّ الطّيب، وإذا حملت الرِّيحُ

  1. (١) م، ش، ج: "لحق الله بحسب". وكذا كان في ل دون أسنان السين ثم طمست ألف لفظ الجلالة وعلامة إهمال الحاء في "بحسب".
  2. (٢) ما عدا ع، ش: "ومداواة".
  3. (٣) ج: "اللهو والطرب".
178

رائحته وألقتها في مشامِّه لم يجب عليه سدُّ أنفه. ونظير هذا: نظرةُ الفجاءة لا تحرُم على النّاظر، وتحرُم عليه النّظرة الثّانية إذا تعمَّدَها.

وأمّا السَّمعُ المستحَبُّ فكاستماع المستحَبِّ من العلم، وقراءة القرآن، وذكر الله، واستماع كلِّ ما يحبُّه الله وليس بفرضٍ. والمكروه عكسه، وهو استماعُ كلِّ ما يكرهه ولا يعاقب عليه. والمباح ظاهرٌ.

وأمّا النّظر الواجب، فالنَّظرُ في المصحف وكتب العلم عند تعيُّنِ تعلُّمِ١ الواجب منها، والنّظرُ إذا تعيَّن لتمييز الحلال من الحرام في الأعيان التي يأكلها وينفقها ويستمتع بها، والأمانات التي يؤدِّيها إلى أربابها ليميِّز بينها، ونحو ذلك.

والنّظر الحرام: النّظر إلى الأجنبيّات بشهوةٍ مطلقًا، وبغيرها إلّا لحاجةٍ، كنظر الخاطب، والمُسْتام، والمُعامِل، والشّاهد، والحاكم، والطَّبيب، وذي المحرم.

والمستحبُّ: النّظرُ في كتب العلم والدِّين، الذي يزداد به الرّجلُ إيمانًا وعلمًا، والنّظرُ في المصحف ووجوه العلماء والصّالحين والوالدين، والنّظرُ في آيات الله المشهودة ليستدلَّ بها على توحيده ومعرفته وحكمته.

والمكروه: فضولُ النَّظر التي لا مصلحة فيها٢، فإنَّ له فضولًا كما للِّسان فضولًا٣. وكم قادت فضولُهما إلى فضولٍ عزَّ التّخلُّص منها، وأعيا دواؤها. وقال بعض السّلف: كانوا يكرهون فضول النّظر، كما يكرهون

  1. (١) ش: "نقل"، تحريف.
  2. (٢) ع: "الذي لا مصلحة فيه".
  3. (٣) كذا في النسخ، والوجه: "فضولٌ".
179

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي