مدارج السالكين

استعِنْ عليهم بركبان جندك ومُشاتهم١. فكلُّ راكبٍ وماشٍ في معصية الله فهو من جند إبليس لعنه الله.

وكذلك تتعلَّق هذه الأحكام الخمسة٢ بالرُّكوب أيضًا.

فواجبه: الرُّكوب للغزو والجهاد، والحجِّ الواجب.

ومستحبُّه: الرُّكوب٣ للمستحبِّ من ذلك، ولطلب العلم، وصلة الرّحم، وبرِّ الوالدين. وفي الوقوف بعرفة نزاعٌ: هل الرُّكوب فيه أفضل أم على الأرض؟ والتّحقيق أنّ الرُّكوب أفضل إذا تضمَّن مصلحةً من تعليمٍ للمناسك، واقتداءٍ به٤، وكان أعونَ له على الدُّعاء، ولم يكن فيه ضررٌ على الدّابّة٥.

وحرامه: الرُّكوب في معصية الله.

ومكروهه: الرُّكوب للهو واللّعب وكلِّ ما تركُه خيرٌ من فعله.

ومباحه: الرُّكوب لما لم يتضمَّن فوتَ أجرٍ، ولا تحصيلَ وزرٍ.

فهذه خمسون مرتبةً على عشرة أشياء: القلب، والسّمع، والبصر، واللِّسان، والأنف، والفم، واليد، والرِّجل، والفرج، والاستواء على ظهر الدّابّة.

  1. (١) "تفسير البغوي" (٥/ ١٠٥).
  2. (٢) ما عدا ق، ل: "الخمس". وكذا كان فيهما أيضًا ثم أصلح.
  3. (٣) ع: "والمستحب في الركوب".
  4. (٤) ش: "المناسك ... ". وفي ج: " ... واقتدائه".
  5. (٥) انظر: "المغني" (٥/ ٢٦٧)، و"مجموع الفتاوى" (٢٦/ ١٣٢).
187

فصل

في منازل ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ التي يتنقَّل١ فيها القلبُ منزلةً منزلةً

في حال سيره إلى الله تعالى

وقد أكثر النّاس في صفة المنازل وعددها، فمنهم من جعلها ألفًا، ومنهم من جعلها مائةً، ومنهم من زاد ونقص٢؛ وكلٌّ وصَفَها بحسب سيره وسلوكه. وسأذكر فيها أمرًا مختصرًا جامعًا نافعًا٣، إن شاء الله تعالى.

فأوّل منازل العبوديّة: اليقظة. وهي انزعاج القلب لروعة الانتباه من رقدة الغافلين. ولله ما أنفع هذه الرّوعة! وما أعظم قدرها وخطرها! وما أشدَّ إعانتها على السُّلوك! فمن أحسَّ بها فقد أحسَّ والله بالفلاح، وإلّا فهو في سكرات الغفلة، فإذا انتبه شمَّر لله بهمَّته إلى السَّفر إلى منازله الأولى، وأوطانه٤ التي سُبِي منها.

فحيَّ على جنّاتِ عَدْنٍ فإنّهامنازلُك الأولى وفيها المخيَّمُ
ولكنّنا سَبْيُ العدوِّ فهل ترىنعود إلى أوطاننا ونُسلَّمُ٥
  1. (١) هكذا مضبوطًا في ع. وفي ش، ج: "ينتقل".
  2. (٢) أورد صاحب "المنازل" (ص ٢ - ٣) قول أبي بكر الكتَّاني (ت ٣٢٢): "إن بين العبد والحق ألف مقام من نور وظلمة"، ثم ذكر أنه جعل كتابه مائة مقام مقسومة على عشرة أقسام. وانظر: "الرَّدُّ على الشاذلي" لشيخ الإسلام ابن تيمية (ص ١٦٩).
  3. (٣) لفظ "نافعًا" ساقط من ش.
  4. (٤) ع: "من أوطانه".
  5. (٥) البيتان من ميميَّة المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٠٨)، و"حادي الأرواح" (١/ ١٤) وقد ذكرهما فيه مرة أخرى (٢/ ٦٠٤) وفي "إغاثة اللهفان" (١/ ١١٧).
188

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي