مدارج السالكين

فأخذ في أُهبة السّفر، فانتقل إلى منزلة "العزم"، وهو العقدُ الجازمُ على المسير، ومفارقةُ كلِّ قاطعٍ ومعوِّقٍ، ومرافقةُ كلِّ معينٍ ومُوصلٍ. وبحسب كمال انتباهه ويقظته يكون عزمُه، وبحسب قوّة عزمه يكون استعدادُه.

فإذا استيقظ أوجبت له اليقظةُ "الفكرةَ"، وهي تحديقُ القلب نحو المطلوب الذي قد استعدَّ له١ مجملًا، ولمَّا يهتد إلى تفصيله وطريق الوصول إليه.

فإذا صحَّت فكرتُه أوجبت له "البصيرةَ"، وهي٢ نورٌ في القلب٣ يُبصر به الوعد والوعيد، والجنّة والنّار، وما أعدَّ الله في هذه لأوليائه، وفي هذه لأعدائه. فأبصر النّاسَ وهم قد خرجوا من قبورهم مهطعين لدعوة الحقِّ، وقد نزلت ملائكةُ السّماوات فأحاطت بهم، وقد جاء الله، ونُصِبَ كرسيُّه لفصل القضاء، وقد أشرقت الأرضُ لنوره، ووُضِع الكتابُ، وجيء بالنبيين والشهداء، وقد نُصِب الميزان، وتطايرت الصُّحفُ، واجتمعت الخصومُ، وتعلَّق كلُّ غريمٍ بغريمه، ولاح الحوضُ وأكوابُه عن كثَبٍ، وكثر العطاشُ وقلَّ المواردُ٤، ونُصِبَ الجسرُ للعبور، ولُزَّ النّاسُ إليه، وقسِّمت الأنوار

  1. (١) م، ش: "سعد به".
  2. (٢) ع: "فهي".
  3. (٣) في ع: "القلوب" مكان "القلب". وبعده في ج: "يرى به"، وهكذا نقله الفيروزابادي في "البصائر" (٥/ ٣٩٠). وقد سقطت الكلمتان من ق، ل، م فكتب بعضهم في هامش ق، ل كما في ج مع "لعله"، وفي هامش م كما أثبت من ع، ش مع علامة "صح".
  4. (٤) ما عدا ق، ل: "الوارد"، وكذا في "البصائر".
189

دون ظلمته للعبور عليه، والنّار يحطِمُ بعضُها بعضًا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف النّاجين. فينفتح في قلبه عينٌ يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهدٌ من شواهد الآخرة يريه الآخرةَ ودوامَها، والدُّنيا وسرعةَ انقضائها.

فالبصيرة: نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرُّسل، كأنّه شاهدٌ١ رأي عينٍ، فيتحقَّق مع ذلك انتفاعُه بما دعت إليه الرُّسل، وتضرُّره بمخالفتهم. وهذا معنى قول بعض العارفين٢: البصيرةُ تحقُّقُ الانتفاعِ بالشّيء والتّضرُّرِ به. وقال بعضهم: البصيرة ما خلَّصَك من الحيرة٣، إمّا بإيمانٍ وإمّا بعيانٍ.

والبصيرة على ثلاث درجاتٍ، من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرةٌ في الأسماء والصِّفات، وبصيرةٌ في الأمر والنّهي، وبصيرةٌ في الوعد والوعيد.

فالبصيرة في الأسماء والصِّفات: أن لا يتأثّر إيمانُك بشبهةٍ تعارضُ ما وصَف الله به نفسَه ووصفه به رسولُه، بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك عنده٤ بمنزلة الشُّبه والشُّكوك في وجود الله، فكلاهما سواءٌ في البطلان عند أهل البصائر.

  1. (١) ع: "يشاهده".
  2. (٢) لم أقف على اسمه، ونقله الفيروزابادي أيضًا دون عزو.
  3. (٣) هذا التفسير لصاحب "المنازل" (ص ٦٣) كما سيأتي، وما بعده من "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٣).
  4. (٤) يعني: "عند إيمانك". وفي ع: "عندك".
190

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي