مدارج السالكين

دون ظلمته للعبور عليه، والنّار يحطِمُ بعضُها بعضًا تحته، والمتساقطون فيها أضعاف أضعاف النّاجين. فينفتح في قلبه عينٌ يرى بها ذلك، ويقوم بقلبه شاهدٌ من شواهد الآخرة يريه الآخرةَ ودوامَها، والدُّنيا وسرعةَ انقضائها.

فالبصيرة: نورٌ يقذفه الله في القلب، يرى به حقيقة ما أخبرت به الرُّسل، كأنّه شاهدٌ١ رأي عينٍ، فيتحقَّق مع ذلك انتفاعُه بما دعت إليه الرُّسل، وتضرُّره بمخالفتهم. وهذا معنى قول بعض العارفين٢: البصيرةُ تحقُّقُ الانتفاعِ بالشّيء والتّضرُّرِ به. وقال بعضهم: البصيرة ما خلَّصَك من الحيرة٣، إمّا بإيمانٍ وإمّا بعيانٍ.

والبصيرة على ثلاث درجاتٍ، من استكملها فقد استكمل البصيرة: بصيرةٌ في الأسماء والصِّفات، وبصيرةٌ في الأمر والنّهي، وبصيرةٌ في الوعد والوعيد.

فالبصيرة في الأسماء والصِّفات: أن لا يتأثّر إيمانُك بشبهةٍ تعارضُ ما وصَف الله به نفسَه ووصفه به رسولُه، بل تكون الشُّبه المعارضة لذلك عنده٤ بمنزلة الشُّبه والشُّكوك في وجود الله، فكلاهما سواءٌ في البطلان عند أهل البصائر.

  1. (١) ع: "يشاهده".
  2. (٢) لم أقف على اسمه، ونقله الفيروزابادي أيضًا دون عزو.
  3. (٣) هذا التفسير لصاحب "المنازل" (ص ٦٣) كما سيأتي، وما بعده من "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٣).
  4. (٤) يعني: "عند إيمانك". وفي ع: "عندك".
190

وعقد هذا: أن يشهد قلبُك الرَّبَّ تعالى مستويًا على عرشه١، متكلِّمًا بأمره ونهيه، بصيرًا بحركات العالم علويِّه وسفليِّه وأشخاصه وذرَّاته٢، سميعًا لأصواتهم، رقيبًا على ضمائرهم وأسرارهم، وأمرُ الممالك تحت تدبيره، نازلٌ من عنده وصاعدٌ إليه، وأملاكُه بين يديه تنفِّذ أوامره في أقطار الممالك؛ موصوفًا بصفات الكمال، منعوتًا بنعوت الجلال، منزَّهًا عن العيوب والنّقائص والمثال. هو كما وصف نفسَه في كتابه، وفوق ما يصفه به خلقُه. حيٌّ لا يموت، قيُّومٌ لا ينام، عليمٌ لا يخفى عليه مثقالُ ذرّةٍ في السّماوات ولا في الأرض، بصيرٌ يرى دبيب النّملة السّوداء على الصَّخرة الصَّمّاء في اللّيلة الظّلماء، سميعٌ يسمع ضجيج الأصوات باختلاف اللُّغات على تفنُّن الحاجات.

تمَّت كلماتُه صدقًا وعدلًا، وجلَّت صفاته أن تقاس بصفاتِ خَلقِه شبهًا ومثلًا، وتعالت ذاته أن تُشْبِهَ شيئًا من الذّوات أصلًا، ووسعت الخليقةَ أفعالُه عدلًا وحكمةً ورحمةً وإحسانًا وفضلًا.

له الخلق والأمر، وله النِّعمة والفضل، وله الملك والحمد، وله الثّناء والمجد. أوّل ليس قبله شيءٌ، آخرٌ ليس بعده شيءٌ، ظاهرٌ ليس فوقه شيءٌ، باطنٌ ليس دونه شيءٌ. أسماؤه كلُّها أسماء مدحٍ وحمدٍ وثناءٍ وتمجيدٍ، ولذلك كانت حسنى. وصفاتُه كلُّها صفاتُ كمالٍ، ونعوتُه نعوتُ جلالٍ، وأفعالُه كلُّها حكمةٌ ورحمةٌ ومصلحةٌ وعدلٌ. كلُّ شيءٍ من مخلوقاته دالٌّ عليه، ومرشدٌ لمن رآه بعين البصيرة إليه.

  1. (١) طمس بعضهم "مستويًا على عرشه" في ش.
  2. (٢) ع: "وذواته".
191

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي