مدارج السالكين

لم يخلُق السّماواتِ والأرضَ وما بينهما باطلًا، ولا ترَكَ الإنسانَ سُدًى عاطلًا، بل خلق الخلق لقيام توحيده وعبادته، وأسبغ عليهم نعمَه ليتوسَّلوا بشكرها إلى زيادته وكرامته١. تعرَّفَ إلى عباده بأنواع التّعرُّفات، وصرَّف لهم الآيات، ونوَّع لهم الدِّلالات؛ ودعاهم إلى محبّته من جميع الأبواب، ومدَّ بينه وبينهم من عهده أقوى الأسباب؛ فأتمَّ عليهم نعمه السّابغة، وأقام عليهم حجّته البالغة. أفاض عليهم النِّعمة، وكتب على نفسه الرَّحمة، وضمَّن الكتاب الذي كتَبَه: أنّ رحمتَه تغلِبُ غضَبَه.

وتفاوتُ النّاس في هذه البصيرة بحسب تفاوتهم في معرفةِ النُّصوص النّبويّة وفهمِها، والعلمِ بفساد الشُّبَه المخالفة لحقائقها.

وتجد أضعفَ النّاس بصيرةً أهلَ الكلام الباطل المذموم الذي ذمَّه السّلفُ، لجهلهم بالنُّصوص ومعانيها، وتمكُّنِ الشُّبه الباطلة من قلوبهم. وإذا تأمّلتَ حالَ٢ العامَّة الذين ليسوا مؤمنين عند أكثرهم رأيتَهم أتمَّ بصيرةً منهم، وأقوى إيمانًا، وأعظم تسليمًا للوحي وانقيادًا للحقِّ٣.

فصل

المرتبة الثّانية من البصيرة: البصيرة في الأمر والنّهي. وهي تجريده عن المعارضة بتأويلٍ أو تقليدٍ أو هوًى. فلا يقوم بقلبه شبهةٌ تعارض العلمَ بأمر الله ونهيه، ولا شهوةٌ تمنع من تنفيذه وامتثاله والأخذ به، ولا تقليدٌ يزيحه

  1. (١) ع، ج، م: "زيادة كرامته"، وقد حاول بعضهم تغييرها في م لتوافق ما أثبت.
  2. (٢) م، ش، ج: "حالات". وكذا كان في ق، ل، فأصلح كما أثبت.
  3. (٣) "للحق" من ع وحدها.
192

عن١ بذل الجهد في تلقِّي الأحكام من مشكاة النُّصوص.

وقد علمتَ٢ بهذا أهلَ البصائر من العلماء من غيرهم.

فصل

المرتبة الثّالثة: البصيرة في الوعد والوعيد. فهو أن تشهدَ قيامَ الله على كلِّ نفسٍ بما كسبَتْ في الخير والشّرِّ، عاجلًا وآجلًا، في دار العمل ودار الجزاء؛ وأنَّ ذلك هو موجَبُ إلهيّته وربوبيّته وعدله وحكمته، وأنَّ الشَّكَّ في ذلك شكٌّ في إلهيّته وربوبيّته، بل شكٌّ في وجوده؛ فإنَّه يستحيل عليه خلافُ ذلك. ولا يليق أن ينسب إليه تعطيلُ الخليقة وإرسالُها هَملًا وتركُها سدًى، تعالى الله عن هذا الحسبان علوًّا كبيرًا. فشهادة العقل بالجزاء كشهادته بالوحدانيّة.

ولهذا كان الصّحيح أنَّ المعادَ معلومٌ بالعقل، وإنّما اهتُدي إلى تفاصيله بالوحي. ولهذا يجعل الله ﷾ إنكارَ المعاد كفرًا به سبحانه، لأنّه إنكارٌ لقدرته أو لإلهيّته، وكلاهما٣ مستلزمٌ للكفر به. قال تعالى: ﴿وَإِنْ تَعْجَبْ فَعَجَبٌ قَوْلُهُمْ أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا أَإِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ أُولَئِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ الْأَغْلَالُ فِي أَعْنَاقِهِمْ وَأُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ [الرعد: ٥].

وفي الآية قولان٤: أحدهما: إن تعجَبْ من قولهم: ﴿أَإِذَا كُنَّا تُرَابًا

  1. (١) ش: "يريحه من". وكذا في م بإهمال الفعل.
  2. (٢) ضبطت التاء في ل بالسكون، يعني: عُلِمَتْ.
  3. (٣) ل، ش: "فكلاهما".
  4. (٤) انظر: "تفسير البغوي" (٤/ ٢٩٥ - ٢٩٦).
193

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي