مدارج السالكين

صادرٍ عن تصديقٍ محقَّقٍ لا يصحبه شكٌّ؛ وتغضبَ١ على من خالف ذلك غيرةً عليه أن يضيع حقُّه، ويُهمَل جانبُه٢.

وإنّما كانت الغيرة عند شيخ الإسلام٣ من تمام البصيرة لأنّه على قدر المعرفة بالحقِّ ومستحقِّه ومحبّته وإجلاله تكون الغيرةُ عليه أن يضيع، والغضب على من أضاعه؛ فإنّ ذلك دليلٌ على محبّة صاحب الحقِّ٤ وإجلاله وتعظيمه، وذلك عين البصيرة. فكما أنَّ الشَّكَّ القادحَ في كمال الامتثال مُعْمٍ لعين البصيرة، فكذلك عدمُ الغضب والغيرة على حقوق الله إذا أُضِيعَتْ ومحارمِه إذا انتُهِكَتْ مُعْمٍ لعين البصيرة.

قال: (الدّرجة الثّانية أن تشهد في هداية الحقِّ وإضلاله إصابةَ العَدْل، وفي تلوين أقسامه رعايةَ البرِّ، وتُعايِنَ في جذبه حبلَ الوَصْل)٥.

يريد بشهود العدل في هدايته مَن هداه وإضلالِه مَن أضلَّه أمرين:

أحدهما: تفرُّده بالخلق والهدى والضّلال.

والثّاني: وقوع ذلك منه على وجه الحكمة والعدل، لا بالاتِّفاق، ولا بمحض المشيئة المجرَّدة عن وضع الأشياء مواضعها وتنزيلها منازلها، بل بحكمةٍ اقتضت هدى مَن عَلِمَ أنّه يزكو على الهدى، ويقبله، ويشكره عليه،

  1. (١) معطوف على "تؤدِّيَ".
  2. (٢) انظر: "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٣ - ٣٤٤).
  3. (٣) يعني: صاحب "المنازل".
  4. (٤) ج: "محبة الحق". وفي ش: "محبة صادقة للحق"، وكذا أصلح في م. والصواب ما أثبت من ق، ل، ع.
  5. (٥) غُيِّر في ل إلى "الوصال"، كما في "المنازل" وكما سيأتي في الشرح.
195

ويُثمر عنده؛ وإضلالَ مَن عَلِمَ أنه لا يزكو على الهدى، ولا يقبله، ولا يشكر عليه، ولا يثمر عنده؛ فـ ﴿اللَّهُ أَعْلَمُ حَيْثُ يَجْعَلُ رِسَالَاتِهِ١﴾ [الأنعام: ١٢٤] أصلًا وميراثًا.

وقال٢ تعالى: ﴿وَكَذَلِكَ فَتَنَّا بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لِيَقُولُوا أَهَؤُلَاءِ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ بَيْنِنَا أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَعْلَمَ بِالشَّاكِرِينَ﴾ [الأنعام: ٥٣]. وهم الذين يعرفون قدر نعمته بالهدى، ويشكرونه عليها، ويحبُّونه، ويحمدونه على أن جعلهم من أهله. فهو سبحانه ما عدَلَ عن موجَب العدل والإحسان في هدايةِ مَن هَدى وإضلالِ مَن أضلَّ. ولم يطرُد عن بابه ولم يُبْعِد عن جنابه مَن يليق به التّقريب والهدى والإكرام، بل طرَدَ مَن لا يليق به إلّا الطّرد والإبعاد، وحكمتُه وحمدُه تأبى تقريبَه وتكريمَه وجَعْلَه من أهله وخاصّته وأوليائه.

ولا يبقى إلّا أن يقال: فلِمَ خلَقَ مَن هو بهذه المثابة؟ فهذا سؤال جاهلٍ ظالمٍ مفرطٍ في الجهل والظُّلم.

وخلقُ الأضداد٣ والمتقابلات هو من كمال الرُّبوبيّة، كاللّيل والنّهار، والحرِّ والبرد، واللَّذّة والألم٤، والخير والشّرِّ، والنّعيم والجحيم٥.

  1. (١) "رسالاته" قراءة أبي عمرو وغيره. وقرأ ابن كثير وحفص: "رسالتَه". انظر: "الإقناع" لابن الباذش (ص ٦٤٣).
  2. (٢) ع: "قال" دون الواو.
  3. (٣) السياق في ع: "ظالم ضالٍّ ... والظلم والضلال لأنَّ خلقَ الأضداد".
  4. (٤) ل، ج: "الألم واللذة"، وكذا في الأصل ولكن ناسخه وضع فوقهما علامة التقديم والتأخير.
  5. (٥) انظر هذا المعنى في "طريق الهجرتين" (ص ٢١٢، ٢٥٣) وقد بالغ المؤلف هناك في تقريره.
196

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي