مدارج السالكين

ونسبتُها إلى العلم نسبة الرُّوح إلى البدن، فهي روحُ العلم ولبُّه١.

وصدَق ﵀، فإنّ بهذه البصيرة يتفجَّر من قلب صاحبها ينابيعُ من المعارف لا تُنال بكسبٍ ولا دراسةٍ، إن هو إلّا فهمٌ يؤتيه الله عبدًا في كتابه ودينه، على قدر بصيرته٢.

وقوله: (وتثبِّت الإشارة). يريد بالإشارة: ما يشير إليه القوم من الأحوال والمنازلات٣ والأذواق التي ينكرها الأجنبيُّ من السُّلوك ويثبِّتها أهل البصائر. وكثيرٌ٤ من هذه الأمور ترد على السّالك، فإن كان له بصيرةٌ ثبَّتَتْ بصيرتُه ذلك له وحقَّقَته عنده، وعرَّفَته تفاصيله. وإن لم يكن له بصيرةٌ بل كان جاهلًا لم يعرف تفصيلَ ما يرد عليه، ولم يهتد لتثبيته.

قوله: (وتُنبت الفراسةَ). يعني أنَّ البصيرةَ تُنبِت في أرضِ القلب الفراسةَ الصّادقَة. وهي نورٌ يقذفه الله في القلب، يفرِّق به بين الحقِّ والباطل والصّادق والكاذب. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ [الحجر: ٧٥]. قال

  1. (١) انظر: "شرح التلمساني" (٢/ ٣٤٥). وسيأتي في باب المعرفة كلام مفصَّل للمؤلف في الفرق بين العلم والمعرفة.
  2. (٢) ع: "بصيرة قلبه".
  3. (٣) م، ش: "المنازل"، والصواب ما أثبت. والمنازلات نوعٌ من الواردات القلبية. في "الرسالة القشيرية" (ص ٢٤٦): "وكما أنَّ ما يتكلَّفه العبد من معاملات ظاهره يوجب له حلاوة الطاعات، فما ينازله العبد من أحكام باطِنه يوجب له المواجيد. فالحلاوات ثمرات المعاملات، والمواجيدُ نتائج المنازلات". وانظر الفرق بين المنزل والمنازلة في "الفتوحات المكية" (٢/ ٥٧٧).
  4. (٤) ما عدا ع: "وكثيرًا"، غير أن بعضهم طمس الألف في ل.
198

مجاهدٌ: للمتفرِّسين١. وفي "التِّرمذيِّ"٢ من حديث أبي سعيدٍ الخدريِّ ﵁ عن النبيِّ ﷺ أنّه قال: "اتَّقوا فراسة المؤمن، فإنّه ينظر بنور الله ﷿". ثمّ قرأ: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ﴾ ".

والتوسُّم: تفعُّلٌ من السِّيما٣، وهي العلامة، فسُمِّي المتفرِّسُ متوسِّمًا، لأنّه يستدلُّ بما يشهد على ما غاب، فيستدلُّ بالعيان على الإيمان. ولهذا خصَّ تعالى بالآيات والانتفاعِ بها هؤلاء، لأنّهم يستدلُّون بما يشاهدون منها على حقيقة ما أخبرت به الرُّسل من الأمر والنّهي والثّواب والعقاب. وقد ألهم الله تعالى ذلك لآدم ﵇، وعلَّمه إيّاه حين علَّمه أسماء كلِّ شيءٍ. وبنوه هم نسخته وخلفاؤه، فكلُّ قلبٍ فهو٤ قابلٌ لذلك، وهو فيه بالقوّة، وبه تقوم الحجّة، وتحصل العبرة، وتصحُّ الدِّلالة. فبعث الله رسلَه مذكِّرين ومنبِّهين ومكمِّلين لهذا الاستعداد بنور الوحي والإيمان، فينضاف ذلك إلى نور الفراسة والاستعداد، فيصير نورًا على نورٍ، فتقوى البصيرة، ويعظُم النُّور ويدوم لزيادة مادّته ودوامها، ولا يزال في تزايدٍ حتّى يرى على الوجه والجوارح والكلام والأعمال.

ومن لم يقبل هدى الله ولم يرفع به رأسًا دخل قلبه في الغلاف والكِنان،

  1. (١) "تفسير البغوي" (٤/ ٣٨٨).
  2. (٢) برقم (٣١٢٧) من رواية عطيَّة العوفي ــ وهو ضعيف ــ عن أبي سعيد. قال الترمذي: هذا حديث غريب، إنما نعرفه من هذا الوجه.
    وللحديث طرق وشواهد ولكنها واهية. انظر: "الضعيفة" (١٨٢١).
  3. (٣) إن كان أصلها من الوسم لا السَّوم.
  4. (٤) ج: "وهو". وفي ش، ع: "وكل قلب فهو".
199

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي