مدارج السالكين

الخروج.

وقد قسّم صاحب "المنازل" القصد إلى ثلاث درجاتٍ، فقال١: (الدّرجة الأولى: قصدٌ يبعث على الارتياض، ويخلِّص من التّردُّد، ويدعو إلى مجانبة الأغراض).

فذكر له ثلاث فوائد: أنّه يبعث على السُّلوك بلا توقُّفٍ ولا تردُّدٍ، ولا علّةٍ غير العبوديّة من رياءٍ أو سمعةٍ أو طلب محمدةٍ أو جاهٍ ومنزلةٍ عند الخلق.

قال: (الدّرجة الثّانية: قصدٌ لا يلقى سببًا إلّا قطَعَه، ولا حائلًا إلّا منَعَه، ولا تحاملًا إلّا سهَّله).

يعني أنّه لا يلقى سببًا يعُوق عن المقصود إلّا قطعه، ولا حائلًا دونه إلّا منعه، ولا صعوبةً إلّا سهَّلها.

قال: (الدّرجة الثّالثة: قصدُ الاستسلام لتهذيب العلم، وقصدُ إجابة دواعي الحكم٢، وقصدُ اقتحام بحر الفناء).

  1. (١) "المنازل" (ص ٥٠).
  2. (٢) في ج، م، ش بعده زيادة: "الديني الأمري"، وكذا في ل، ويظهر أن ناسخها أخطأ بسبب انتقال النظر إلى شرحه، فلما تبين الخطأ عند المقابلة وضع عليها علامة الحذف. ولم تثبت الزيادة في الأصل فكتبها بعضهم في هامشه! هذا، وكذا "دواعي الحكم" في النسخ وفي شروح التلمساني (١/ ٢٨٠) والقاساني (ص ٢٦٦) والمناوي (ص ١٧٦). وفي مطبوعة "المنازل": "لوَطْءِ الحكم"، وكذا في شرحي الإسكندري (ص ١٠٧) والفركاوي (ص ٦٨). ومن الغريب أن ناشر "المنازل" لم يشر إلى خلاف بين نسخه.
202

يريد أنّه ينقاد إلى العلم ليتهذَّب به ويصلُح به، ويقصد إجابة داعي الحكم الدِّينيِّ الأمريِّ كلَّما دعاه، فإنّ للحكم في كلِّ مسألةٍ من مسائل العلم مناديًا ينادي للإيمان بها علمًا وعملًا، فيقصد إجابة داعيها. ولكنَّ مراده بدواعي الحكم: الأسرار والحِكَم الدّاعية إلى شرع الحكم، فإجابتها قدرٌ زائدٌ على مجرّد الامتثال، فإنّها تدعو إلى المحبّة والإجلال والمعرفة والحمد. فالأمر١ يدعو إلى الامتثال، وما تضمَّنه من الحِكَم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبّة.

وقوله: (وقصدُ اقتحامِ بحرِ الفناء)، هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم. وهو عند بعضهم من لوازم الطّريق وليس بغايةٍ، وعند آخرين عارضٌ من عوارض الطّريق، ليس بغايةٍ، ولا هو لازمٌ لكلِّ سالكٍ. وأهلُ القوّة والعزم لا يعرض لهم، وحالُ البقاء أكمل منه، ولهذا كان البقاء حال نبيِّنا ليلةَ الإسراء، وقد رأى ما رأى؛ وحالُ موسى الفناء، ولهذا خرَّ صَعِقًا عند تجلِّي الله للجبل٢. وامرأةُ العزيز كانت أكمل حبًّا ليوسف من النِّسوة، ولم يعرض لها ما عرض لهنّ عند رؤيته لفنائهنّ وبقائها٣. وسيأتي إن شاء الله تحقيقُ الكلام فيه.

فصل

فإذا استحكم قصدُه صار عزمًا جازمًا، مستلزمًا٤ للشُّروع في السّفر،

  1. (١) ل، ج: "والأمر".
  2. (٢) انظر: "الجواب الصحيح" (٤/ ١٢) وكتابنا هذا (٣/ ٣٥٧، ٤٧٢، ٥٠٣).
  3. (٣) وانظر هذا المعنى أيضًا في "طريق الهجرتين" (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤).
  4. (٤) "مستلزمًا" ساقط من ش.
203

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي