مدارج السالكين

يريد أنّه ينقاد إلى العلم ليتهذَّب به ويصلُح به، ويقصد إجابة داعي الحكم الدِّينيِّ الأمريِّ كلَّما دعاه، فإنّ للحكم في كلِّ مسألةٍ من مسائل العلم مناديًا ينادي للإيمان بها علمًا وعملًا، فيقصد إجابة داعيها. ولكنَّ مراده بدواعي الحكم: الأسرار والحِكَم الدّاعية إلى شرع الحكم، فإجابتها قدرٌ زائدٌ على مجرّد الامتثال، فإنّها تدعو إلى المحبّة والإجلال والمعرفة والحمد. فالأمر١ يدعو إلى الامتثال، وما تضمَّنه من الحِكَم والغايات تدعو إلى المعرفة والمحبّة.

وقوله: (وقصدُ اقتحامِ بحرِ الفناء)، هذا هو الغاية المطلوبة عند القوم. وهو عند بعضهم من لوازم الطّريق وليس بغايةٍ، وعند آخرين عارضٌ من عوارض الطّريق، ليس بغايةٍ، ولا هو لازمٌ لكلِّ سالكٍ. وأهلُ القوّة والعزم لا يعرض لهم، وحالُ البقاء أكمل منه، ولهذا كان البقاء حال نبيِّنا ليلةَ الإسراء، وقد رأى ما رأى؛ وحالُ موسى الفناء، ولهذا خرَّ صَعِقًا عند تجلِّي الله للجبل٢. وامرأةُ العزيز كانت أكمل حبًّا ليوسف من النِّسوة، ولم يعرض لها ما عرض لهنّ عند رؤيته لفنائهنّ وبقائها٣. وسيأتي إن شاء الله تحقيقُ الكلام فيه.

فصل

فإذا استحكم قصدُه صار عزمًا جازمًا، مستلزمًا٤ للشُّروع في السّفر،

  1. (١) ل، ج: "والأمر".
  2. (٢) انظر: "الجواب الصحيح" (٤/ ١٢) وكتابنا هذا (٣/ ٣٥٧، ٤٧٢، ٥٠٣).
  3. (٣) وانظر هذا المعنى أيضًا في "طريق الهجرتين" (٢/ ٧٠٣ - ٧٠٤).
  4. (٤) "مستلزمًا" ساقط من ش.
203

مقرونًا بالتّوكُّل على الله. قال تعالى: ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾ [آل عمران: ١٥٩].

والعزم هو: القصد الجازم المتّصل بالفعل، ولذلك قيل: إنّه أوّل الشُّروع في الحركة لطلب المقصود. والتّحقيق: أنّ الشُّروعَ في الحركة ناشئٌ١ عن العزم، لا أنّه نفسُه، ولكن لمّا اتَّصَل به من غير فصلٍ ظُنَّ أنّه هو. وحقيقته: هو استجماع قوى الإرادة على الفعل.

والعزم نوعان، أحدهما٢: عزم المريد على الدُّخول في الطّريق، وهذا٣ من البدايات. والثّاني: عزمٌ في حال السّير، وهو أخصُّ من هذا، وهو من المقامات، وسنذكره في موضعه إن شاء الله تعالى.

وفي هذه المنزلة يحتاج إلى تمييز ما له ممّا عليه، ليستصحِبَ ما له، ويؤدِّيَ ما عليه. وهو المحاسبة، وهي قبل التَّوبة في الرتبة، فإنّه إذا عرَف ما له وما عليه أخَذَ في أداء ما عليه والخروج منه، وهو التّوبة.

وصاحب "المنازل" قدَّم التَّوبةَ على المحاسبة. ووجهُ هذا أنّه رأى التَّوبةَ هي أوّلُ منازل السّائر بعد يقظته، ولا تتمُّ التّوبة إلّا بالمحاسبة، فالمحاسبة تكميل مقام التّوبة. فالمرادُ بالمحاسبة: الاستمرارُ على حفظ التّوبة حتّى لا يخرج عنها، وكأنّه وفاءٌ بعقد التَّوبة.

واعلم أنَّ ترتيبَ هذه المقامات ليس باعتبار أنَّ السَّالكَ يقطع المقامَ ويفارقه وينتقل إلى الثّاني، كمنازل السَّير الحسِّيِّ. هذا محالٌ، ألا ترى أنَّ

  1. (١) رسمه في النسخ: "ناشٍ".
  2. (٢) "أحدهما" ساقط من م، ش.
  3. (٣) ع: "وهو".
204

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي