مدارج السالكين

إلّا الله"١، ولأنّه لا يصحُّ مقامٌ من المقامات ولا حالٌ من الأحوال إلّا به، فلا وجه لجعله آخر المقامات. وهو مفتاحُ دعوة الرُّسل، وأوّلُ فرضٍ فرضه الله على العباد. وما عدا هذا من الأقوال فخطأٌ، كقول من يقول: أوّلُ الفروض النّظرُ، أو القصدُ إلى النّظر، أو المعرفةُ، أو الشَّكُّ الذي يوجب النّظر٢. وكلُّ هذه الأقوال خطأٌ، بل أوّلُ الواجبات مفتاحُ دعوة المرسلين كلِّهم، وهو أوّلُ ما دعا إليه فاتحُهم نوحٌ٣: ﴿اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ﴾ [الأعراف: ٥٩]، وأوّلُ ما دعا إليه خاتمهم محمّدٌ ﷺ٤.

ولأرباب السُّلوك اختلافٌ كثيرٌ في عدد المقامات وترتيبها، كلٌّ يصِفُ منازلَ سيره، وحالَ سلوكه. ولهم اختلافٌ في بعض منازل السَّير: هل هي من قسم المقامات أو من قسم الأحوال؟ والفرق بينهما: أنّ المقامات كسبيّةٌ، والأحوال موهبة٥، ومنهم من يقول: الأحوال هي نتائج المقامات، والمقامات نتائج الأعمال٦.

  1. (١) أخرجه البخاري (١٤٥٨) ومسلم (١٩) من حديث ابن عباس ﵄.
  2. (٢) انظر لردِّ هذه الأقوال وبيان فسادها: "الاستقامة" (١/ ١٤٢ - ١٤٣)، و"درء التعارض" (٧/ ٣٥٣)، و"مجموع الفتاوى" (١٦/ ٣٣١).
  3. (٣) بعده في ع زيادة: "بقوله".
  4. (٤) سيأتي نحوه في منزلة التوحيد (٤/ ٤٣٩). وانظر: "جامع المسائل" (٨/ ١٧١).
  5. (٥) ع: "موهبية". وانظر: "الرسالة القشيرية" (ص ٢٣٧).
  6. (٦) لم أجد هذا القول، ولكن انظر للفرق بين المقام والحال بالإضافة إلى المصدر السابق: "اللمع" (ص ٤١ - ٤٢) و"عوارف المعارف" (٢/ ٢٦٤). وبعده في ع زيادة: "فكلُّ من كان أصحَّ عملًا كان أعلى مقامًا، وكلُّ مَن كان أعلى مقامًا كان أعظم حالًا".
207

فممّا اختلفوا فيه: الرِّضا، هل هو حالٌ أو مقامٌ؟ فيه خلافٌ بين الخراسانيِّين والعراقيِّين، وحكم بينهم بعض الشُّيوخ، وقال: إن حصل بكسبٍ فهو مقامٌ، وإلّا فهو حالٌ١.

والصّحيح٢: أنّ الواردات والمنازلات لها أسماءٌ باعتبار أحوالها، فتكون لوامع وبوارق ولوائح عند أوّل ظهورها وبدوِّها، كما يلمع البارقُ ويلوح على بُعدٍ، فإذا نازلته وباشرها فهي أحوالٌ، فإذا تمكَّنت منه وثبتت له من غير انتقالٍ فهي مقاماتٌ. فهي لوامعُ ولوائحُ في أوّلها، وأحوالٌ في أوسطها، ومقاماتٌ في نهايتها. فالّذي كان بارقًا هو بعينه الحال، والّذي كان حالًا هو بعينه المقام. وهذه الأسماء له باعتبار تعلُّقه بالقلب، وظهوره له، وثباته فيه.

وقد ينسلخ السّالك من مقامه كما ينسلخ من الثّوب، وينزل إلى ما دونه، ثمّ قد يعود إليه، وقد لا يعود.

ومن المقامات ما يكون جامعًا لمقامين. ومنها ما يكون جامعًا لأكثر من ذلك. ومنها ما يندرج فيه جميع المقامات، فلا يستحقُّ صاحبُه اسمَه إلّا عند استجماع جميع المقامات فيه.

فالتَّوبة جامعةٌ لمقام المحاسبة ومقام الخوف، لا يتصوَّر وجودها٣ بدونهما.

  1. (١) انظر: "الرسالة القشيرية" (ص ٤٥٣) وقد ذهب الخراسانيون إلى أنه مقام، والعراقيون إلى أنه حال، وجمع بين القولين صاحب "الرسالة".
  2. (٢) بعده في ع زيادة: "في هذا".
  3. (٣) ش، ع: "وجوده"، يعني: مقام التوبة.
208

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي