ومقامُ الشُّكر جامعٌ لجميع مقامات الإيمان، ولذلك كان أرفعها وأعلاها. وهو فوق الرِّضا. وهو يتضمَّن الصَّبرَ من غير عكسٍ، ويتضمَّن التّوكُّلَ والحبّ٢ والإنابة والإخبات والخشوع والخوف والرّجاء. فجميع هذه٣ المقامات مندرجةٌ فيه، لا يستحقُّ صاحبُه اسمَه على الإطلاق إلّا باستجماع المقامات له. ولهذا كان الإيمان نصفَين: نصف صبرٍ، ونصف شكرٍ، والصّبرُ داخلٌ في الشُّكر، فرجع الإيمانُ كلُّه إلى الشُّكر. والشّاكرون هم أقلُّ العباد، كما قال تعالى: ﴿وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ﴾[سبأ: ١٣].
ومقامُ الحياء جامعٌ لمقام المعرفة والمراقبة.
ومقامُ الأنس جامعٌ لمقام الحبِّ مع القرب. فلو كان المحبُّ بعيدًا من محبوبه لم يأنَسْ به، ولو كان قريبًا من رجلٍ ولم يحبَّه لم يأنَسْ به٤، حتّى يجتمع له حبُّه مع القرب منه.
ومقامُ الصِّدق الجامعُ٥ للإخلاص والعزم، فباجتماعهما يصحُّ له مقامُ
(١) أخرجه البخاري (٦١٠١) ومسلم (٢٣٥٦) من حديث عائشة ﵂.
(٢) في ع ذكر الحب بعد الإنابة.
(٣) لم يرد "هذه" في ع.
(٤) "به" ساقط من ج.
(٥) كذا في الأصل وغيره ما عدا ش ففيها "جامعٌ" كما في الفقرات الأخرى.
الصِّدق.
ومقامُ المراقبة جامعٌ للمعرفة١ مع الخشية، فبحسبهما يصحُّ مقام المراقبة.
ومقامُ الطُّمأنينة جامعٌ للإنابة والتّوكُّل والتّفويض والرِّضا والتّسليم. فهو معنًى يلتئم من هذه الأمور، إذا اجتمعت صار صاحبُها صاحبَ طمأنينةٍ، وما نقَص منها نقَص من الطُّمأنينة.
وكذلك الرّغبة والرّهبة، كلٌّ منهما يلتئمُ من الرّجاء والخوف. والرّجاءُ على الرّغبة أغلب، والخوفُ على الرّهبة أغلب.
وكلُّ مقامٍ من هذه المقامات، فالسّالكون بالنِّسبة إليه نوعان: أبرارٌ، ومقرَّبون. فالأبرار في أذياله، والمقرَّبون في ذِرْوةِ سنامه. وهكذا مراتب الإيمان جميعها. وكلٌّ من النّوعين لا يحصي تفاوتَهم وتفاضلَ درجاتهم إلّا الله تعالى.
وتقسيمُهم ثلاثةَ أقسامٍ عامٌّ، وخاصٌّ، وخاصُّ خاصٍّ إنّما نشأ من جعل الفناءِ غايةَ الطَّريق وعلَمَ القوم الذي٢ شمّرَوا إليه. وسنذكر ما في ذلك إن شاء الله تعالى، وأقسامَ الفناء ومحمودَه ومذمومَه وفاضلَه ومفضولَه، فإنَّ إشارةَ القوم إليه ومدارَهم عليه.
على أنّ التّرتيب الذي يشير إليه مرتِّبُ المنازل٣ لا يخلو عن تحكُّمٍ
(١) ج: "لمقام المعرفة".
(٢) ج، م، ش: "الذين"، تصحيف.
(٣) أيًّا كانَ، الهروي أو غيره. وقد كان في ل، م: "للمنازل"، فأصلح. وفي ع: "كلُّ مرتِّب للمنازل".