ومقامُ المراقبة جامعٌ للمعرفة١ مع الخشية، فبحسبهما يصحُّ مقام المراقبة.
ومقامُ الطُّمأنينة جامعٌ للإنابة والتّوكُّل والتّفويض والرِّضا والتّسليم. فهو معنًى يلتئم من هذه الأمور، إذا اجتمعت صار صاحبُها صاحبَ طمأنينةٍ، وما نقَص منها نقَص من الطُّمأنينة.
وكذلك الرّغبة والرّهبة، كلٌّ منهما يلتئمُ من الرّجاء والخوف. والرّجاءُ على الرّغبة أغلب، والخوفُ على الرّهبة أغلب.
وكلُّ مقامٍ من هذه المقامات، فالسّالكون بالنِّسبة إليه نوعان: أبرارٌ، ومقرَّبون. فالأبرار في أذياله، والمقرَّبون في ذِرْوةِ سنامه. وهكذا مراتب الإيمان جميعها. وكلٌّ من النّوعين لا يحصي تفاوتَهم وتفاضلَ درجاتهم إلّا الله تعالى.
وتقسيمُهم ثلاثةَ أقسامٍ عامٌّ، وخاصٌّ، وخاصُّ خاصٍّ إنّما نشأ من جعل الفناءِ غايةَ الطَّريق وعلَمَ القوم الذي٢ شمّرَوا إليه. وسنذكر ما في ذلك إن شاء الله تعالى، وأقسامَ الفناء ومحمودَه ومذمومَه وفاضلَه ومفضولَه، فإنَّ إشارةَ القوم إليه ومدارَهم عليه.
على أنّ التّرتيب الذي يشير إليه مرتِّبُ المنازل٣ لا يخلو عن تحكُّمٍ
(١) ج: "لمقام المعرفة".
(٢) ج، م، ش: "الذين"، تصحيف.
(٣) أيًّا كانَ، الهروي أو غيره. وقد كان في ل، م: "للمنازل"، فأصلح. وفي ع: "كلُّ مرتِّب للمنازل".
ودعوى من غير مطابقةٍ، فإنَّ العبدَ إذا التزم عَقْدَ الإسلام، ودخل فيه كلِّه، فقد التزم لوازمَه الظّاهرةَ والباطنةَ ومقاماتِه وأحوالَه. وله في كلِّ عَقْدٍ من عقوده وواجبٍ من واجباته أحوالٌ ومقاماتٌ، لا يكون موفِّيًا لذلك العقد والواجب إلّا بها. وكلَّما وفَّى واجبًا أشرَفَ على واجبٍ آخر بعده، وكلَّما قطَع منزلةً استقبل أخرى.
وقد يعرض له أعلى المقامات والأحوال في أوّل بداية سيره، فيُفتَح عليه من حال المحبّة والرِّضا والأنس والطُّمأنينة ما لم يحصل بعدُ للسالك في نهايته. ويحتاج هذا السَّالكُ في نهايته إلى أمورٍ من البصيرة والتّوبة والمحاسبة أعظمَ من حاجة صاحب البداية إليها. فليس في ذلك ترتيبٌ كلِّيٌّ لازمٌ للسُّلوك١.
وقد ذكرنا أنَّ التَّوبةَ التي جعلوها من أوّل المقامات هي غايةُ العارفين ونهايةُ أولياء الله المقرَّبين، ولا ريب أنّ حاجتهم إلى المحاسبة في نهايتهم فوقَ حاجتهم إليها في بدايتهم.
فالأَولى: الكلامُ في هذه المقامات على طريقة المتقدِّمين من أئمّة القوم كلامًا مطلقًا في كلِّ مقامٍ مقامٍ ببيان حقيقته، وموجَبه، وآفته المانعة من حصوله، والقاطع عنه، وذكر عامِّه وخاصِّه. فكلامُ أئمّة الطّريق هو على هذا المنهاج لمن تأمَّلَه، كسهل بن عبد الله التُّسْتَريِّ، وأبي طالبٍ المكِّيِّ،
(١) كان في الأصل: "لاز السلوك"، فأصلح كما أثبت من ل، ج، ع. وفي م: "لأرباب السلوك". وقد ترك ناسخ ش بياضًا بعد "لا"، فكتب بعضهم في هامشها: "لعله: لأهل"، يعني: لأهل السلوك.