فإن لم تف هذه الثلاثة بالتّمحيص مُحِّصَ٤ في الموقف بثلاثة أشياء٥: أهوال القيامة وشدّة الموقف، وشفاعة الشُّفعاء، وعفو الله.
فإن لم تف هذه الثّلاثة بتمحيصه، فلا بدّ له من دخول الكِير رحمةً في حقِّه، ليتخلّص ويتمحَّص ويتطهَّر في النّار، فتكون النّارُ طهرةً له وتمحيصًا لخَبثه، ويكون مَكْثُه فيها على حسب كثرة الخَبَث وقلّته، وشدّته وضعفه٦، فإذا خرج خَبَثُه٧ أُخرِجَ من النّار، وأُدخِلَ الجنّة.
(١) ج، م، ش: "بعدهما". ويظهر أن ق، ل كان فيهما "مماتهما" كما في ع، فغيِّر إلى "موتهما".
(٢) أخرجه أحمد (١٦٠٥٩) والبخاري في "الأدب المفرد" (٣٥) وأبو داود (٥١٤٢) وابن ماجه (٣٦٦٤) وابن حبان (٤١٨) والحاكم (٤/ ١٥٤) وغيرهم من طريق أسيد بن علي عن أبيه علي بن عبيد مولى أبي أسيد الساعدي، عن أبي أسيد الساعدي مرفوعًا. وعلي بن عبيد مجهول، قد تفرد بالرواية عنه ابنه وهو صدوق، والحديث ضعَّفه الألباني في "الضعيفة" (٥٩٧) ومحققو "المسند".
(٣) أخرجه البخاري (١٩٥٢) ومسلم (١١٤٧) من حديث عائشة ﵂.
(٤) قبله في ع: "فبين يديه" وفوقه "كذا" مرتين: مرة على "فبين" وأخرى على "محِّص". وبعده في ش: "بدنه"، وكذا في م مهملًا. وكذا كان في ق، ل، فضرب عليه. وفي ج: "قيَّض الله تعالى له في الموقف ثلاثة" بدلًا من "محِّص في الموقف بثلاثة".
(٥) بعده في ع زيادة: "هو" وفوقه: "كذا".
(٦) بعده في ع زيادة: "وتراكمه".
(٧) بعده في ع زيادة: "وصفِّي ذهبُه وصار خالصًا طيبًا".
قال١: (الثّالث) يعني من مراتب اليقظة: (الانتباهُ لمعرفة الزِّيادة والنُّقصان من الأيّام، والتّنصُّلُ عن تضييعها، والنّظرُ إلى الضَّنِّ٢ بها لِتدارُكِ فائتها وتعميرِ باقيها).
يعني أنّه يعرفُ ما معه من الزِّيادة والنُّقصان، فيتداركُ ما فاته في بقيّة عمره التي لا ثمن لها، ويبخل بساعاته ــ بل بأنفاسه ــ عن ذهابها ضَيَاعًا في غير ما يقرِّبه إلى الله تعالى، فهذا هو حقيقة الخسران المشترك بين النّاس، مع تفاوتهم في قدره قلّةً وكثرةً. فكلُّ نفَسٍ يخرج في غير ما يقرِّب إلى الله تعالى، هو حسرةٌ على العبد في معاده، ووقفةٌ له في طريق سيره، أو نكسةٌ إن استمرَّ، وحجابٌ إن انقطع به.
يعني أنّ حقيقة مشاهدة النِّعمة تصفو بهذه الثّلاثة. وهي النُّور الذي أوجَبَ اليقظةَ، فاستنار القلب به لرؤية التنبيه. وعلى حسبه قوّةً وضعفًا تصفو له مشاهدة النِّعمة، فإنّ من لم ير نعمةَ الله عليه إلّا في مأكلِه وملبسِه وعافيةِ بدنه وقيامِ وجهه بين النّاس، فليس له نصيبٌ من هذا النُّور البتّة. فنعمةُ الله بالإسلامِ والإيمانِ وجذبِ عبده إلى الإقبال عليه، والتّنعُّمِ بذكره، والتّلذُّذِ بطاعته= هو أعظمُ النِّعم، وهذا إنّما يُدرَك بنورِ العقل وهدايةِ التّوفيق.