مدارج السالكين

وكذلك شَيْمُه بروقَ مننِ الله عليه. وهو النّظرُ إليها ومطالعتُها من خلال سُحُبِ١ الطّبع وظلماتِ النّفس.

والنّظرُ إلى أهل البلاء، وهم أهلُ الغفلةِ عن الله والابتداعِ في دين الله، فهذان الصِّنفان هم أهل البلاء حقًّا، فإذا رآهم وعلِمَ ما هم عليه عظمَتْ نعمةُ الله عليه في قلبه، وصَفَتْ له، وعرَف قدرَها. فالضِّدُّ يُظْهِرُ حسنَه الضِّدُّ٢.

وبضِدِّها تتبيَّنُ الأشياءُ٣

حتّى إنَّ من تمام نعيم أهل الجنّة رؤيةَ أهل النّار وما هم فيه من العذاب.

قال٤: (وأمّا مطالعةُ الجناية، فإنّها تصحُّ بثلاثة أشياء: بتعظيم الحقِّ، ومعرفةِ النَّفس، وتصديقِ الوعيد).

يعني أنّ من كملَتْ عظمةُ الحقِّ في قلبه عظمَتْ عنده مخالفتُه، لأنَّ

  1. (١) م، ش: "حجب".
  2. (٢) ضمَّن عجز البيت الآتي:
    ضِدَّانِ لما استَجمعا حَسُنا ... والضِّدُّ يُظهِر حُسْنَه الضِّدُّ
    وهو من القصيدة الدعدية المعروفة باليتيمة وقد تنازعها شعراءُ كُثْرٌ غلب عليها منهم اثنان: علي بن جَبَلة العكوَّك (شعره المجموع: ١١٦) وأبو الشيص الخزاعي (ديوانه المجموع: ١٣٨).
  3. (٣) عجز بيت للمتنبي في "ديوانه" (ص ١١٧). وصدره:
    ونذيمُهم وبهم عرفنا فضلَه
  4. (٤) "منازل السائرين" (ص ٩).
221

مخالفةَ العظيم ليست كمخالفة مَن هو دونه.

ومَن عرَف قدرَ نفسه وحقيقتَها وفقرَها الذَّاتيَّ إلى مولاها الحقِّ في كلِّ لحظةٍ ونفَسٍ، وشِدَّةَ حاجتها إليه، عظمت عنده جنايةُ المخالفة لمن هو شديدُ الضَّرورة إليه في كلِّ لحظةٍ ونفَسٍ. وأيضًا فإذا عرَفَ حقارتَها مع عِظَمِ قدرِ مَن خالفه عظُمت الجنايةُ عنده، فشمَّر في التّخلُّص منها.

وكذلك بحسب تصديقه بالوعيد ويقينه به، يكون تشميرُه في التّخلُّص من الجناية التي تلحقه به. ومدارُ السّعادة وقطبُ رحاها على التّصديق بالوعيد، فإذا تعطَّل من قلبه التّصديقُ بالوعيد خرِبَ خرابًا لا يرجى معه فلاحٌ البتّة. والله تعالى أخبر أنّه إنّما تنفع الآياتُ والإنذارُ لمن صدَّق بالوعيد وخاف عذاب الآخرة، فهؤلاء هم المقصودون بالإنذار والمنتفعون بالآيات، دون مَن عداهم. قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِمَنْ خَافَ عَذَابَ الْآخِرَةِ﴾ [هود: ١٠٣]. وقال: ﴿إِنَّمَا أَنْتَ مُنْذِرُ مَنْ﴾ [النازعات: ٤٥]. وقال: ﴿فَذَكِّرْ بِالْقُرْآنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ﴾ [ق: ٤٥].

وأخبر تعالى أنّ أهل النّجاة في الدُّنيا والآخرة هم المصدِّقون بالوعيد الخائفون منه، فقال تعالى: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِرُسُلِهِمْ لَنُخْرِجَنَّكُمْ مِنْ أَرْضِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا فَأَوْحَى إِلَيْهِمْ رَبُّهُمْ لَنُهْلِكَنَّ الظَّالِمِينَ ١٣ وَلَنُسْكِنَنَّكُمُ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِهِمْ ذَلِكَ لِمَنْ خَافَ مَقَامِي وَخَافَ وَعِيدِ﴾ [إبراهيم: ١٣ - ١٤]١.

  1. (١) لم ترد الآية (١٣) في ع.
222

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي