مدارج السالكين

فصل

فإذا استحكمت يقظتُه أوجبت له الفكرةَ، وهي كما تقدَّم١: تحديق القلب إلى جهة المطلوب التماسًا له.

وصاحب "المنازل" جعلها بعد "البصيرة"، وقال في حدِّها٢: (هي تلمُّسُ البصيرة لاستدراك البغية). أي التماسُ العقل للمطلوب بالتّفتيش٣ عليه.

قال٤: (وهي ثلاثة أنواعٍ: فكرةٌ في عين التّوحيد، وفكرةٌ في لطائف الصَّنعة، وفكرةٌ في معاني الأعمال والأحوال).

قلت: الفكرة فكرتان: فكرةٌ تتعلَّق بالعلم والمعرفة، وفكرةٌ تتعلَّق بالطّلب والإرادة. فالّتي تتعلَّق بالعلم والمعرفة فكرةُ التَّمييز بين الحقِّ والباطل، والثّابت والمنفيِّ. والّتي تتعلَّق بالطّلب والإرادة فهي الفكرة التي تميِّز بين النَّافع والضَّارِّ. ثمّ يترتَّب عليها فكرةٌ أخرى في الطّريق إلى حصول ما ينفع فيسلكها، وطريقِ ما يضرُّ فيتركها.

فهذه ستّة أقسامٍ لا سابع لها، هي محالُّ٥ أفكار العقلاء.

فالفكرةُ في التّوحيد استحضارُ أدلّته وشواهده الدَّالَّةِ على بطلان الشِّرك

  1. (١) في (ص ١٨٩).
  2. (٢) "منازل السائرين" (ص ١٣).
  3. (٣) ع: "والتفتيشُ".
  4. (٤) في الموضع السابق.
  5. (٥) كذا ضبط في ش بالشدَّة، وفي ع: "مجال" بالجيم.
224

واستحالته، وأنَّ الإلهيّةَ يستحيل ثبوتُها لاثنين كما يستحيل ثبوتُ الرُّبوبيّة لاثنين، فكذلك أبطَلُ الباطل١ عبادةُ اثنين والتّوكُّلُ على اثنين، بل لا تصلُح العبادةُ إلّا للإله الحقِّ والرَّبِّ الحقِّ، وهو الله الواحد القهّار.

وقد خبَط صاحبُ "المنازل" في هذا الموضع، وجاء بما يرغب عنه الكُمَّل من سادات السّالكين والواصلين إلى الله؛ فقال٢: (الفكرةُ في عين التّوحيد اقتحامُ بحر الجحود).

وهذا بناءً على أصله الذي أصَّله وانتهى إليه كتابُه في أمر الفَناء، فإنَّه لمَّا رأى أنَّ الفكرةَ في عين التّوحيد تُبعِد٣ العبدَ من التّوحيد الصّحيح، لأنّ التّوحيد الصّحيح عنده لا يكون إلّا بعد فناء الفكر والمتفكِّر، والفكرةُ تدلُّ على بقاء الرَّسْم لاستلزامها مفكِّرًا وفعلًا قائمًا به، والتّوحيدُ التّامُّ عنده لا يكون مع بقاء رسمٍ أصلًا= كانت الفكرةُ عنده علامةَ الجحود واقتحامًا٤ لبحره٥.

وقد صرَّح بهذا في أبياته في آخر الكتاب٦:

ما وحَّدَ الواحدَ من واحدٍإذ كلُّ مَن وحَّده جاحدُ
توحيدُ مَن ينطق عن نعتهعاريّةٌ أبطَلَها الواحدُ
  1. (١) ع: "من أبطل الباطل".
  2. (٢) "منازل السائرين" (ص ١٤).
  3. (٣) ضبط في ع بتشديد العين. وفي ج، م، ش: "تقعد".
  4. (٤) هكذا في ع. وفي الأصل وغيره: "واقتحامها"، وغيِّر في ل إلى "لاقتحامها".
  5. (٥) قول المصنف: "لما رأى أن الفكرة ... بحره" مأخوذ من "شرح التلمساني" (١/ ٨٢).
  6. (٦) "المنازل" (ص ١١٣)، وسيأتي شرح المؤلف لها في موضعها (٤/ ٥٤٢).
225

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي