مدارج السالكين

لنفسه، حيث لا هناك رسمٌ ولا مكوَّنٌ، فما وحَّد اللهَ حقيقةً إلّا اللهُ.

والاتِّحاديُّ يقول: ما ثمَّ غيرٌ يوحِّده، بل هو الموحِّد لنفسه بنفسه، إذ ليس ثمّ سوًى في الحقيقة.

وقوله: (ونعتُ مَن ينعته لاحدُ)، أي نعتُ النّاعت له ميلٌ وخروجٌ عن التّوحيد الحقيقيِّ ــ والإلحادُ أصله: الميل ــ لأنّه بنعته له قائمٌ بالرُّسوم، وبقاءُ الرُّسوم ينافي توحيدَه الحقيقيَّ.

والاتِّحاديُّ يقول: نعتُ النّاعت له شركٌ، لأنّه أسند إلى المطلَق ما لا يليق به إسنادُه من التّقييد، وذلك شركٌ وإلحادٌ١.

فرحمةُ الله على أبي إسماعيل، فتَح للزّنادقة بابَ الكفر والاتِّحاد٢، فدخلوا منه، وأقسموا بالله جَهْدَ أيمانهم: إنّه معهم ومنهم٣. وغرَّه سرابُ الفناء، فظنّ أنّه لجّةُ بحر المعرفة وغايةُ العارفين، وبالغ في تحقيقه وإثباته، فقاده قَسْرًا إلى ما ترى.

و"الفناء" الذي يشير إليه القوم ويعملون عليه: أن تذهبَ المحدَثاتُ في شهود العبد، وتغيبَ في أفق العدَم كما كانت قبل أن توجد، ويبقى الحقُّ تعالى كما لم يزل. ثمّ تغيبَ صورةُ المشاهِد ورسُمه أيضًا، فلا يبقى له صورةٌ ولا رسمٌ، ثمّ يغيب شهوده أيضًا، فلا يبقى له شهودٌ، ويصيرَ الحقُّ هو الذي يشاهِد نفسَه بنفسه، كما كان الأمر قبل إيجاد المكوَّنات. وحقيقته: أن يفنى

  1. (١) وقد أفاض المصنف القول في تفسير الأبيات المذكورة حيث جاءت في آخر الكتاب.
  2. (٢) ش: "الإلحاد".
  3. (٣) ع: "إنه لمنهم، وما هو منهم".
227

مَن لم يكن، ويبقى مَن لم يزل.

قال صاحب "المنازل"١: (هو اضمحلال ما دون الحقِّ علمًا، ثمّ جحدًا، ثمّ حقًّا. وهو على ثلاث درجاتٍ:

الدّرجة الأولى: فناءُ المعرفة في المعروف، وهو الفناء علمًا. وفناءُ العِيان في المُعايَن وهو الفناء جحدًا. وفناءُ الطّلب في الوجود وهو الفناء حقًّا.

الدّرجة الثّانية: فناءُ شهود الطّلب لإسقاطه، وفناءُ شهود المعرفة لإسقاطها، وفناءُ شهود العيان لإسقاطه.

الدّرجة الثّالثة: الفناءُ عن شهود الفَناء ــ وهو الفَناء حقًّا ــ شائمًا برقَ العين، راكبًا بحرَ الجَمْع، سالكًا سبيلَ البقاء).

فنذكر ما في هذا الكلام من حقٍّ وباطلٍ، ثمّ نُتْبِعُه ذكرَ أقسام الفناء، والفرق بين الفناءِ المحمودِ الذي هو فناء خاصَّة أولياء الله المقرَّبين٢، والفناءِ المذمومِ الذي هو فناء أهل الإلحاد القائلين بوحدة الوجود، وفناءِ المتوسِّطين الناقصين عن درجة الكمال، بعون الله وحوله وتأييده.

فقوله: (الفناء اضمحلالُ ما دون الحقِّ جحدًا)، لا يريد به أنّه يعدَم من الوجود بالكلِّيّة. وإنّما يريد اضمحلالَه في العلم، فيعلَمُ أنَّ ما دونه باطلٌ، وأنَّ وجودَه بين عدمين، وأنّه ليس له من ذاته إلّا العدَم. فعدمُه بالذّات، ووجودُه بإيجاد الحقِّ له، فيفنى في علمه كما كان فانيًا في حال عدمه. فإذا فني في علمه ارتقى إلى درجةٍ أخرى فوق ذلك، وهي جحدُ السِّوى وإنكاره. وهذه أبلغ

  1. (١) (ص ١٠٤).
  2. (٢) ع: "والمقربين".
228

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي