النّائم وزائل العقل، لا يُعتدُّ بها. ولم يُبعِد هذا القائل.
فالحقُّ تعالى١ مرادُه من عبده: استحضارُ عبوديّته، لا الغَيبةُ عنها. والعاملُ على الغَيبة عنها عاملٌ على مراده من الله وعلى حظِّه والتّنعُّمِ بالفناء في شهوده، لا على مراد الله منه. وبينهما ما بينهما! فكيف يكون قائمًا بحقيقة العبوديّة من يقول: "إيّاك نعبد"، ولا شعور له بعبوديّته البتّة، بل حقيقةِ "إيّاك نعبد" علمًا ومعرفةً وقصدًا وإرادةً وعملًا! وهذا مستحيلٌ في وادي الفناء، ومن له ذوقٌ يعرف هذا وهذا.
قوله: (وفَناءُ العِيان في المعايَن، وهو الفَناء جحدًا).
لمّا كان ما قبل هذا فناء العلم في المعلوم، والمعرفة في المعروف، والعيانُ فوق العلم والمعرفة، إذ نسبتُه إلى العلم كنسبة المرئيِّ إليه= كان الفناءُ في هذه المرتبة فناءَ عيانه في معاينه، ومحوَ أثره، واضمحلالَ رسمه.
قوله: (وفَناءُ الطّلب في الموجود٢، وهو الفناء حقًّا).
يريد: أنّه لا يبقى لصاحب هذا العيان طلبٌ، لأنّه قد ظفر بموجوده ومطلوبه، وطلبُ الموجود٣ محالٌ، لأنّه إنّما يُطلَب المفقودُ عن العيان لا
(١) "تعالى" من ع.
(٢) كذا في جميع النسخ هنا وفي "شرح التلمساني" (٢/ ٥٧٠). وفي "المنازل": "الوجود" كما سبق فيما نقله المصنف قبل الشرح، وكما سيأتي في آخر الكتاب في شرح منزلة الفناء.
(٣) م، ش: "الوجود".
الموجود، فإذا استغرَق في عيانه وشهوده فني الطّلبُ حقًّا.
وأمّا فناء شهود المعرفة لإسقاطها، فيريد به: أنَّ المعرفةَ تسقُط في شهود العيان، إذ هو فوقها، وهي تفنى فيه؛ فيشهد سقوطَها في العيان، ثمّ يسقُط شهودُ سقوطها. وصاحب "المنازل" يرى أنّ المعرفة قد يصحبها شيءٌ من حجاب العلم، ولا يرتفع ذلك الحجاب إلّا بالعيان، فحينئذٍ تفنى في حقِّه المعارفُ، فيشهد فناءَها وسقوطَها؛ ولكن بعدُ عليه بقيّةٌ لا تزول عنه حتّى يسقط شهودُ فنائها وسقوطِها منه. فالعارفُ يخالطه بقيّةٌ من العلم لا تزول إلّا بالمعاينة، والمعايِنُ قد يخالطه بقيّةٌ من المعرفة لا تزول إلّا بشهود سقوطها، ثمّ سقوطِ شهودِ هذا السُّقوط١.
وأمّا فناء شهود العِيان لإسقاطه، يعني٢ أنَّ العيانَ أيضًا يسقُط فيشهده العبدُ ساقطًا، فلا يبقى إلّا المعايَنُ وحدَه.
(١) هذا التفسير مأخوذ من "شرح التلمساني" (٢/ ٥٧١ - ٥٧٢).
(٢) كذا في النسخ دون الفاء على جواب أمَّا، ولحذفها نظائر في أحاديث "صحيح البخاري"، انظر: "شواهد التوضيح" (ص ١٩٨ - دار البشائر الإسلامية) ولكن حذفت هنا ــ فيما يظهر ــ لمتابعة المؤلف "شرح التلمساني" (٢/ ٥٧٢) ذاهلًا عن سياقه.