وأمّا فناء شهود المعرفة لإسقاطها، فيريد به: أنَّ المعرفةَ تسقُط في شهود العيان، إذ هو فوقها، وهي تفنى فيه؛ فيشهد سقوطَها في العيان، ثمّ يسقُط شهودُ سقوطها. وصاحب "المنازل" يرى أنّ المعرفة قد يصحبها شيءٌ من حجاب العلم، ولا يرتفع ذلك الحجاب إلّا بالعيان، فحينئذٍ تفنى في حقِّه المعارفُ، فيشهد فناءَها وسقوطَها؛ ولكن بعدُ عليه بقيّةٌ لا تزول عنه حتّى يسقط شهودُ فنائها وسقوطِها منه. فالعارفُ يخالطه بقيّةٌ من العلم لا تزول إلّا بالمعاينة، والمعايِنُ قد يخالطه بقيّةٌ من المعرفة لا تزول إلّا بشهود سقوطها، ثمّ سقوطِ شهودِ هذا السُّقوط١.
وأمّا فناء شهود العِيان لإسقاطه، يعني٢ أنَّ العيانَ أيضًا يسقُط فيشهده العبدُ ساقطًا، فلا يبقى إلّا المعايَنُ وحدَه.
(١) هذا التفسير مأخوذ من "شرح التلمساني" (٢/ ٥٧١ - ٥٧٢).
(٢) كذا في النسخ دون الفاء على جواب أمَّا، ولحذفها نظائر في أحاديث "صحيح البخاري"، انظر: "شواهد التوضيح" (ص ١٩٨ - دار البشائر الإسلامية) ولكن حذفت هنا ــ فيما يظهر ــ لمتابعة المؤلف "شرح التلمساني" (٢/ ٥٧٢) ذاهلًا عن سياقه.
قال الاتِّحاديُّ١: هذا دليلٌ على أنَّ الشَّيخَ يرى مذهب أهل الوحدة، لأنَّ العِيانَ إنّما يسقط في مبادئ حضرة الجمع، لأنّه يقتضي ثلاثة أمورٍ: معايِنٌ، ومعايَنٌ، ومعاينةٌ؛ وحضرةُ الجمع تنفي التَّعداد.
وهذا كذبٌ على شيخ الإسلام، وإنّما مراده: فناء شهود العيان، فيفنى عن مشاهدة المعاينة، ويغيب بمُعايَنِه عن معاينته، لا٢ أنَّ مرادَه انتفاءُ التَّعدادِ والتّغايُرِ بين المعايِن والمعايَن. وإنّما مرادُه: انتفاءُ الحاجبِ عن درجة الشُّهود، لا عن حقيقة الوجود؛ ولكنّه بابُ الإلحاد٣، هؤلاء الملاحدةُ منه يدخلون. والفرقُ بينَ إسقاطِ الشَّيء عن درجة الوجود العلميِّ الشُّهوديِّ، وإسقاطِه عن رتبة الوجود الخارجيِّ العينيِّ٤؛ فشيخُ الإسلام بل مشايخُ القوم٥ المتكلِّمين بلسان الفناء، هذا مرادهم.
وأمّا أهل الوحدة، فمرادهم: أنّ حضرة الجمع والوحدة تنفي التَّعدادَ٦
(١) يعني التلمساني في "شرحه" في الموضع المذكور، ولم يرد فيه "هذا دليل ... الوحدة".
(٢) ج: "إلا"، وهو خطأ يقلب المعنى. وكذا كان في ل ثم ضرب على الهمزة.
(٣) في ل ضرب على همزة ال ليقرأ: "لإلحادِ هؤلاء الملاحدةِ" كما في ع. وفي ش: "الاتحاد".
(٤) لم يرد خبر المبتدأ (الفرق) في الكلام وهو ظاهر. وقد وقع في ش: "العين" مكان "العيني"، فاقترح في هامشها أن يكون صواب العبارة: "بيِّنٌ لذي العين".
(٥) هكذا في ع. وفي م، ش: "مشايخ شيخ القوم"، وكذا كان في ل، ثم ضُرب على "شيخ". وفي ج: "بل شيخ القوم"، وكذا كان في الأصل (ق) ثم أثبت "مشايخُ" في الهامش كأنه لحق، وإنما هو تصحيح لفظ "شيخ". وقد جمعت النسخ الأخرى بين الخطأ وصوابه.