قال الاتِّحاديُّ١: هذا دليلٌ على أنَّ الشَّيخَ يرى مذهب أهل الوحدة، لأنَّ العِيانَ إنّما يسقط في مبادئ حضرة الجمع، لأنّه يقتضي ثلاثة أمورٍ: معايِنٌ، ومعايَنٌ، ومعاينةٌ؛ وحضرةُ الجمع تنفي التَّعداد.
وهذا كذبٌ على شيخ الإسلام، وإنّما مراده: فناء شهود العيان، فيفنى عن مشاهدة المعاينة، ويغيب بمُعايَنِه عن معاينته، لا٢ أنَّ مرادَه انتفاءُ التَّعدادِ والتّغايُرِ بين المعايِن والمعايَن. وإنّما مرادُه: انتفاءُ الحاجبِ عن درجة الشُّهود، لا عن حقيقة الوجود؛ ولكنّه بابُ الإلحاد٣، هؤلاء الملاحدةُ منه يدخلون. والفرقُ بينَ إسقاطِ الشَّيء عن درجة الوجود العلميِّ الشُّهوديِّ، وإسقاطِه عن رتبة الوجود الخارجيِّ العينيِّ٤؛ فشيخُ الإسلام بل مشايخُ القوم٥ المتكلِّمين بلسان الفناء، هذا مرادهم.
وأمّا أهل الوحدة، فمرادهم: أنّ حضرة الجمع والوحدة تنفي التَّعدادَ٦
(١) يعني التلمساني في "شرحه" في الموضع المذكور، ولم يرد فيه "هذا دليل ... الوحدة".
(٢) ج: "إلا"، وهو خطأ يقلب المعنى. وكذا كان في ل ثم ضرب على الهمزة.
(٣) في ل ضرب على همزة ال ليقرأ: "لإلحادِ هؤلاء الملاحدةِ" كما في ع. وفي ش: "الاتحاد".
(٤) لم يرد خبر المبتدأ (الفرق) في الكلام وهو ظاهر. وقد وقع في ش: "العين" مكان "العيني"، فاقترح في هامشها أن يكون صواب العبارة: "بيِّنٌ لذي العين".
(٥) هكذا في ع. وفي م، ش: "مشايخ شيخ القوم"، وكذا كان في ل، ثم ضُرب على "شيخ". وفي ج: "بل شيخ القوم"، وكذا كان في الأصل (ق) ثم أثبت "مشايخُ" في الهامش كأنه لحق، وإنما هو تصحيح لفظ "شيخ". وقد جمعت النسخ الأخرى بين الخطأ وصوابه.
(٦) ع: "التعدد".
والتّقييد في الشُّهود والوجود١، بحيث يبقى المعروفُ والمعرفةُ والعارفُ من عينٍ واحدةٍ. لا، بل ذلك هو نفسُ العين الواحدة، وإنّما العلمُ والعقلُ والمعرفةُ حجُبٌ، بعضُها أغلَظُ من بعضٍ. ولا يصير السّالكُ عندهم محقِّقًا حتّى يخرِقَ حجابَ العلم والمعرفة والعقل، فحينئذٍ يفضي إلى ما وراء الحجاب من شهود الوحدة المطلقة التي لا تتقيَّد بقيدٍ، ولا تختصُّ بوصفٍ.
قوله: (الدّرجة الثّالثة: الفناء عن شهود الفناء).
أي يشهد فناءَ كلِّ ما سوى الحقِّ في وجود الحقِّ، ثمّ يشهد الفناءَ قد فني أيضًا، ثمّ يفنى عن شهود الفناء، فذلك هو الفناء حقًّا.
وقوله: (شائمًا برقَ العين). يعني ناظرًا إلى عين الجمع، فإذا شام برقَه من بُعدٍ انتقل من ذلك إلى ركوب لجّة بحر الجمع، وركوبُه إيّاها هو فناؤه في جمعه. ويعني بالجمع: الحقيقة الكونيّة القدريّة التي يجتمع فيها جميعُ المتفرِّقات. وتشميرُ القوم إلى شهودها والاستغراق والفناء فيها فهو غاية السُّلوك والمعرفة عندهم.
وسنذكر إن شاء الله أنّ العبد لا يدخل بهذا الفناء والشُّهود في الإسلام، فضلًا أن يكون به من المؤمنين، فضلًا أن يكون به من خاصَّة أولياء الله المقرّبين! فإنّ هذا شهودٌ مشتركٌ لأمرٍ٢ أقرَّت به عبّادُ الأصنام وسائرُ أهل الملل أنّه لا خالق إلّا الله. قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[لقمان: ٢٥]، ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَهُمْ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾[الزخرف: ٨٧].