مدارج السالكين

فأمّا الفناء عن وجود السِّوى، فهو فناء الملاحدة القائلين بوحدة الوجود، وأنّه ما ثَمَّ غيرٌ١، وأنَّ غايةَ العارفين والسّالكين الفناءُ في الوحدة المطلقة، ونفيُ التّكثُّر والتّعدُّد عن الوجود بكلِّ اعتبارٍ، فلا يشهد غيرًا أصلًا، بل يشهد وجودَ العبد عينَ وجود الرّبِّ، بل ليس عندهم في الحقيقة ربٌّ وعبدٌ.

وفناءُ هذه الطّائفة في شهود الوجودِ كلِّه واحدًا٢، وهو الواجب بنفسه، ما ثَمَّ وجودان: ممكنٌ، وواجبٌ. ولا يفرِّقون بينَ كون وجود المخلوقات بالله، وبينَ كونِ وجودها هو عين وجوده. وليس عندهم فرقانٌ بين العالمين وربِّ العالمين، ويجعلون الأمر والنّهي للمحجوبين عن شهودهم وفنائهم، وهو تلبيسٌ عندهم. والمحجوبُ عندهم شهِدَ٣ أفعاله طاعاتٍ ومعاصي، لأنه في مقام الفرق، فإذا ارتفعت درجته شهِدَ أفعالَه كلَّها طاعاتٍ لا معصية فيها، لشهوده الحقيقةَ الكونيَّةَ الشَّاملةَ لكلِّ موجودٍ. فإذا ارتفعت درجته عندهم فلا طاعة ولا معصية، بل ارتفعت الطّاعات والمعاصي، لأنّها تستلزم اثنينيّةً وتعدادًا٤، وتستلزم مطيعًا ومطاعًا وعاصيًا ومعصيًّا؛ وهذا عندهم محض الشِّرك، والتّوحيد المحض يأباه. فهذا فناء هذه الطّائفة.

وأمّا الفناء عن شهود السِّوى، فهو الفناء الذي يشير إليه أكثر الصُّوفيّة المتأخِّرين، ويعدُّونه غايةً، وهو الذي بنى عليه أبو إسماعيل الأنصاريُّ كتابه

  1. (١) في ع زاد بعضهم بعده الهاء وكتب فوقه حرف الخاء يعني أن في نسخة أخرى: "غيره".
  2. (٢) مفعول ثان للشهود. وفي ع: "واحد"، وهو خطأ.
  3. (٣) ع: "من يشهد".
  4. (٤) ع: "وتعدّدًا"، وقد سبق مثله.
236

وجعله الدّرجة الثّالثة في كلِّ بابٍ من أبوابه.

وليس مرادهم فناءَ وجود ما سوى الله تعالى في الخارج، بل فناؤه عن شهودهم وحسِّهم. فحقيقتُه: غَيبةُ أحدهم عن سوى مشهوده، بل غَيبتُه أيضًا عن شهوده ونفسه، لأنّه يغيب بمعبوده عن عبادته، وبمذكوره عن ذكره، وبموجوده عن وجوده، وبمحبوبه عن حبِّه، وبمشهوده عن شهوده. وقد يسمّى حالُ مثلِ هذا سكرًا، واصطلامًا، ومحوًا، وجمعًا؛ وقد يفرِّقون بين معاني هذه الأسماء.

وقد يغلب شهودُ القلب بمحبوبه ومذكوره حتّى يغيبَ به ويفنى به، فيظنّ أنّه اتّحد به وامتزج، بل يظنُّ أنّه نفسُه، كما يحكى أنّ رجلًا ألقى محبوبُه نفسَه في الماء، فألقى المحبُّ نفسَه وراءه، فقال له: ما الذي أوقعك في الماء؟ فقال: غبتُ بك عنِّي، فظننت أنّك أنِّي١.

وهذا إذا عاد إليه عقلُه يعلم أنّه كان غالطًا في ذلك، وأنّ الحقائق متميِّزةٌ في ذاتها، فالرَّبُّ ربٌّ، والعبدُ عبدٌ، والخالقُ بائنٌ عن المخلوقات، ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته، ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته؛ ولكن في حال السُّكر والمحو والاصطلام والفناء قد يغيب عن هذا التّمييز. وفي مثل٢

  1. (١) نقل هذه الحكاية شيخ الإسلام ابن تيمية في مواضع كثيرة من كتبه. انظر مثلًا: "الجواب الصحيح" (٣/ ٣٣٨)، و"منهاج السنة" (٥/ ٣٥٦)، و"مجموع الفتاوى" (٢/ ٣١٤، ٣٦٩، ٣٩٦، ٤٨٢)، ورسالة إبطال وحدة الوجود ضمن "مجموعة الرسائل والمسائل" (١/ ٨٣).
  2. (٢) كلمة "مثل" ساقطة من ع.
237

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي