يرى السِّوى ولا الغيرَ= فهذا ليس بمحمودٍ، ولا هو وصف كمالٍ١، ولا هو ممّا يُرْغَب فيه ويؤمَر به. بل غايةُ صاحبه أن يكون معذورًا لعَجزه وضعفِ قلبه وعقله عن احتمالِ التّمييز والفرقان، وإنزالِ كلِّ ذي منزلةٍ منزلتَه موافقةً لداعي العلم، ومقتضى الحكمة، وشهودٍ للحقائق على ما هي عليه، والتّمييزِ بين القديم والمحدَث، والعبادة والمعبود؛ فيُنْزِلُ العبادةَ منازلَها، ويشهدُ مراتبَها ويعطي كلَّ مرتبةٍ منها حقَّها من العبوديّة، ويشهَدُ قيامَه بها فإنّ شهودَ العبد قيامَه بالعبوديّة أكمَلُ في العبوديّة من غَيبته عن ذلك؛ فإنّ أداءَ العبوديّة في حال غَيبة العبد عنها وعن نفسه بمنزلة أداء السّكران والنّائم، وأداؤها في حال كمال يقظته وشعوره بتفاصيلها وقيامه بها أتَمُّ وأكمَلُ وأقوى عبوديّةً.
فتأمَّلْ حالَ عبدين في خدمة سيِّدهما: أحدُهما يؤدِّي حقوق خدمته في حال غَيبته عن نفسه وعن خدمته لاستغراقه بمشاهدة٢ سيِّده. والآخَرُ يؤدِّيها في حالِ كمالِ حضوره وتمييزه، وإشعارِ نفسه بخدمةِ السّيِّد وابتهاجِها بذلك فرحًا بخدمته، وسرورًا والتذاذًا منه، واستحضارًا لتفاصيل الخدمة ومنازلها؛ وهو مع ذلك عاملٌ على مراد سيِّده منه، لا على مراده من سيِّده. فأيُّ العبدين أكمل؟
فالفناءُ حظُّ الفاني ومرادُه. والعلمُ والشُّعورُ، والتّمييزُ والفرقُ، وتنزيلُ الأشياء منازلَها وجعلُها في مراتبها= حقُّ الرَّبِّ ومرادُه. ولا يستوي صاحبُ هذه العبوديّة، وصاحبُ تلك. نعم، هذا أكمل حالًا من الذي لا حضور له ولا مشاهدة، بل هو غائبٌ بطبعه ونفسه عن معبوده وعن عبادته. وصاحبُ
(١) ج: "الكمال"، وكذا كان في ق، ل، فطمست "ال" في ق وضرب عليها في ل.
(٢) ج: "في مشاهدة".
التَّمييز والفرقان ــ وهو صاحب الفناء الثّالث ــ أكمل منهما.
فزوالُ العقلِ والتّمييزِ والغَيبةُ عن شهود نفسه وأفعالها لا يُحمَد، فضلًا عن أن يكون في أعلى مراتب الكمال؛ بل يُذَمُّ إذا تسبَّب إليه وباشَرَ أسبابَه، وأعرض عن الأسباب التي توجب له التّمييز والعقل. ويُعذَر إذا ورد عليه ذلك بلا استدعاءٍ، بل كان مغلوبًا عليه، كما يُعذَر النّائمُ، والمغمى عليه، والمجنونُ، والسّكرانُ الذي لا يُذَمُّ على سُكره كالمُوجَرِ١ والجاهلِ بكون الشَّراب مسكِرًا ونحوهما.
وليس أيضًا هذه الحال بلازمةٍ لجميع السّالكين، بل هي عارضةٌ لبعضهم: منهم من يبتلى بها كأبي يزيد وأمثاله، ومنهم من لا يبتلى بها وهم أكمل وأقوى، فإنَّ الصّحابةَ ــ وهم ساداتُ العارفين وأئمّةُ الواصلين، وقدوةُ السَّالكين ــ لم يكن فيهم من ابتُلي بمثل ذلك٢، مع قوّة إرادتهم، وكثرة منازلاتهم٣، ومعاينة ما لم يعاينه غيرُهم، ولا شَمَّ له رائحةً، ولم يخطُر على قلبه. فلو كان هذا الفناء كمالًا لكانوا هم أحقَّ به وأهلَه، وكان لهم منه٤ ما لم يكن لغيرهم.
ولا كان أيضًا هذا حال نبيِّنا ﷺ٥. ولهذا، في ليلة المعراج، لمّا أُسري به وعايَنَ ما عايَنَ ممّا أراه الله إيّاه من آياته الكبرى لم تعرض له هذه الحال،
(١) من الوَجُور. وهو الذي صُبَّ المسكِرُ في حلقه وهو كاره.
(٢) ع: "بذلك".
(٣) هي نوع من الواردات القلبية، وقد تقدَّم تفسيرها.
(٤) "منه" ساقط من ش، وكان ساقطًا من الأصل أيضًا فاستدرك فوق السطر.
(٥) ع: "هذا أيضًا لنبيِّنا ولا حالًا من أحواله ﷺ ".