مدارج السالكين

فصل

ويعرض للسّالك على درب الفناء معاطب ومهالك، لا ينجيه منها إلّا بصيرةُ العلم، التي إن صَحِبَتْه في سَيره، وإلّا فبسبيلِ مَن هلك١.

منها: أنّه إذا اقتحم عقَبةَ الفناء ظنَّ أنَّ صاحبَها قد سقط عنه الأمرُ والنّهيُ، لتشويشِه على الفناء ونقضِه له ــ والفناء عنده غايةُ العارفين ونهاية التّوحيد ــ فيرى تركَ كلِّ ما أبطله وأزاله من أمرٍ أو نهيٍ أو غيرهما.

ويصرِّح بعضُهم بأنّه إنّما يسقط الأمر عمَّن شهد الإرادة٢، وأمّا من لم يشهدها فالأمرُ والنّهيُ لازمٌ له. ولا يعلم هذا المغرورُ أنَّ غايةَ ما معه: الفناءُ في توحيد أهل الشِّرك الذي أقرُّوا به ولم يكونوا به مسلمين البتّة، كما قال تعالى: ﴿وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ﴾ [لقمان: ٢٥]. وقال: ﴿قُلْ لِمَنِ الْأَرْضُ وَمَنْ فِيهَا إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٤) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ (٨٥) قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَاوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ (٨٦) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ

  1. (١) ل: "بسبيل". وفي ج: "فسبيل"، يعني: "فسبيلُ من هلك سبيلُه" كما جاء في حديث ابن مسعود في "مسند أحمد" (٣٧٠٧) وغيره: "فإن هلكوا فسبيلُ من هلك ... ". وقد أثبت ما في الأصل وغيره لورود مثله في "إغاثة اللهفان" (٢/ ٨٩٩): "فإن تدارك ذلك بالتوبة النصوح وإلا فبسبيل من هلك". وسيأتي في فصل التوبة (ص ٥٣٤): "وإن هلك بهما فبسبيل من هلك". وكأن الباء في كلام المؤلف جاءت قياسًا على الباء في "فبها ونعمت" المحذوفة في جواب "إن صحبَتْ" و"إن تدارك".
  2. (٢) انظر: "منهاج السنة" (٣/ ٧٦)، و"مجموع الفتاوى" (١٠/ ١٦٥)، و"قاعدة في الفناء والبقاء" ضمن "جامع المسائل" (٧/ ١٦٣ - ١٦٤) وهذه الفقرة مع الآيات منقولة منها، وكذا ما بعدها.
244

قُلْ أَفَلَا تَتَّقُونَ (٨٧) قُلْ مَنْ بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ شَيْءٍ وَهُوَ يُجِيرُ وَلَا يُجَارُ عَلَيْهِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (٨٨) سَيَقُولُونَ لِلَّهِ قُلْ فَأَنَّى تُسْحَرُونَ﴾ [المؤمنون: ٨٤ - ٨٩]. وقال: ﴿وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ﴾ [يوسف: ١٠٦]. قال ابن عبّاسٍ ﵄: تسألهم من خلق السّماوات والأرض؟ فيقولون: الله، وهم يعبدون غيره١.

ومن كان هذا التّوحيدُ والفناءُ فيه غايةَ توحيده انسلخ من دين الله ومن جميع رسله وكتبه، إذ لم يتميَّز عنده ما أمر الله به ممّا نهى عنه، ولم يفرِّق بين أولياء الله وأعدائه، ولا بين محبوبه ومبغوضه، ولا بين المعروف والمنكر؛ فسوَّى بين المتّقين والفجّار، والطّاعة والمعصية؛ بل ليس عنده في الحقيقة إلّا طاعةٌ، لاستواء الكلِّ في الحقيقة التي هي المشيئة العامَّة الشَّاملة.

ثمّ صاحبُ هذا المقام يظنُّ أنّه صاحب الجمع والتّوحيد، وأنّه وصل إلى عين الحقيقة، وإنّما وصل إلى الحقيقة الشّاملة التي يدخل فيها إبليس وجنوده أجمعون وكلُّ كافرٍ ومشركٍ وفاجرٍ، فإنَّ هؤلاء كلَّهم تحت الحقيقة الكونيّة القدريّة. فغايةُ صاحب هذا المشهد وصولُه إلى٢ أن يشهد استواءَ هؤلاء والمؤمنين الأبرار وأولياءِ الله وخاصَّةِ عباده في هذه الحقيقة.

ومع هذا، فلا بدّ له من الفرقِ والموالاةِ والمعاداةِ ضرورةً، فينسلخُ عن الفرق الشّرعيِّ، فيعود إلى الفرق الطَّبعيِّ بهواه وطبعه، إذ لا بدّ أن يفرِّق بين

  1. (١) عزاه في "الدر المنثور" (٤/ ٥٩٣) إلى ابن جرير وابن أبي حاتم وأبي الشيخ. وقد أخرجه ابن جرير في "تفسيره" (١٣/ ٣٧٣)، والبخاري في "خلق أفعال العباد" (ص ١٠٠) عن عكرمة.
  2. (٢) حرف "إلى" ساقط من ج، م.
245

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي