مدارج السالكين

الإيمان، بل أعظم١ أصوله، فردّت قضاء الله وقدره الشّامل العامّ بأمره ونهيه٢.

فانظر إلى اقتسام الطّوائف هذا٣ الموضعَ، وافتراقهم في مفرَقِ هذه الطّريق علمًا وخبرًا٤ وسلوكًا وحقيقةً، وتأمَّلْ أحوالَ الخلق في هذا المقام= ينكشِفْ لك أسرارُ العالمين، وتعرف أين أنت وأين مقامك؟ وتعلم ما جنى هذا الجمعُ وهذا الفناءُ على الإيمان، وما خرَّب من القواعد والأركان! وتتحقَّق حينئذٍ أنَّ الدِّينَ كلَّه فرقانٌ في قرآنٍ٥: فرقٌ في جَمْعٍ، وكثرةٌ في وحدةٍ، كما تقدَّم بيانه؛ وأنّ أولى النّاس بالله ورسله وكتبه ودينه أصحابُ الفرق في الجمع، فيقومون بالفرق بين ما يحبُّه الله ويبغضه، ويأمر به وينهى عنه، ويواليه ويعاديه علمًا وشهودًا، وإرادةً وعملًا، مع شهودهم الجمعَ لذلك كلِّه في قضائه وقدره ومشيئته الشَّاملة العامَّة، فيؤمنون بالحقيقة الدِّينيّة والكونيّة، ويعطون كلَّ حقيقةٍ حظَّها من العبادة.

فحظُّ الحقيقة الدِّينيّة: القيامُ بأمره ونهيه، ومحبّةُ ما يحبُّه وكراهةُ ما

  1. (١) ج، ش: "من أعظم" بزيادة "من".
  2. (٢) وانظر: "طريق الهجرتين" (١/ ١٨٨ - ١٩٢).
  3. (٣) م: "في هذا". وفي ش: "انقسام الطوائف في هذا".
  4. (٤) ضبط في ق بضم الخاء.
  5. (٥) خلافًا لصاحب "الفصوص" (ص ٧٠) الذي قال في النص الثالث: "واعلم أنَّ الأمرَ قرآنٌ، لا فرقانٌ". ويكنون بالقرآن عن رؤية التفرقة بعين الجمع، وهي عندهم أكمل مقامات العارفين. انظر: "لطائف الإعلام" للقاشاني (٢/ ٥٦١، ٥٨١). وانظر: "الروح" للمؤلف (٢/ ٧٢٥) وقد ضبط في طبعته الثانية خطأً: "قِرَان" فليصلح.
248

يكرهه، وموالاةُ من والاه ومعاداةُ من عاداه؛ وأصلُ ذلك: الحبُّ فيه والبغض فيه. وحظُّ الحقيقة الكونيّة: إفرادُه بالافتقارِ إليه، والاستعانةِ به، والتّوكُّلِ عليه، والالتجاءِ إليه؛ وإفرادُه بالسُّؤالِ والطَّلبِ والتّذلُّلِ له والخضوعِ، والتّحقُّقُ بأنّه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن، فلا يملكُ أحدٌ سواه لهم١ ضرًّا ولا نفعًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا، وأنّه مقلِّبُ٢ القلوب، فقلوبُهم ونواصيهم بيده، وأنّه ما من قلبٍ إلّا وهو بين إصبعَين من أصابعه، إن شاء أن يُقيمه أقامه، وإن شاء أن يُزيغه أزاغه.

فلهذه الحقيقة عبوديّةٌ، ولهذه الحقيقة عبوديّةٌ٣، ولا تُبطِل إحداهما الأخرى٤، بل لا تتمُّ إلّا بها، ولا تتمُّ العبوديّة إلّا بمجموعهما. وهذا حقيقة قوله: ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾ بخلاف من أبطل حقيقة ﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ بحقيقة ﴿إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾، وقال: إنّها جمعٌ، و﴿إِيَّاكَ نَعْبُدُ﴾ فرقٌ. وإذا غلا في هذا المشهد لم يستحسِنْ حسنةً، ولم يستقبِحْ قبيحةً. ويصرِّح بذلك ويقول: العارف لا يستحسن حسنةً ولا يستقبح قبيحةً لاستبصاره بسرِّ القدر٥.

  1. (١) "لهم" ساقط من ش.
  2. (٢) ش: "يقلب".
  3. (٣) الجملة الثانية من ع وحدها.
  4. (٤) ج، ش: "بالأخرى".
  5. (٥) نقله المؤلف في غير موضع من هذا الكتاب وغيره، وعزاه في "شفاء العليل" (ص ١٤) إلى "شيخ الملحدين ابن سينا في إشاراته"، ولعله يقصد قوله في "الإشارات" (٤/ ١١٤): "العارف لا يعنيه التحسس والتجسس، ولا يستهويه الغضب عند مشاهدة المنكر كما تعتريه الرحمة، فإنه مستبصر بسرِّ الله في القدر". وهذا المعنى بعينه سيأتي في كلام صاحب "المنازل" في لطائف أسرار التوبة: "اللطيفة الثالثة: أنَّ مشاهدة الحكم لم تدع له استحسان حسنة ولا استقباح سيئة ... " وشيخ الإسلام لما ذكر هذه المقولة قال: "كما ذكر ذلك صاحب منازل السائرين". انظر: "مجموع الفتاوى" (١٣/ ٢١٣)، و"الرد على الشاذلي" (ص ١٥٣)، و"منهاج السنة" (٥/ ٣٥٩).
249

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي