مدارج السالكين

ومنهم من يقول: حقيقة هذا المشهد أن يشهد الوجودَ كلَّه حسنًا لا قبيحَ فيه، وأفعالَهم كلَّها طاعاتٍ لا معصيةَ فيها، لأنّهم، وإن عصوا الأمر، فهم يطيعون المشيئة، ويقولون:

أصبحتُ منفعلًا لما تختارهمنِّي ففعلي كلُّه طاعاتُ١

ويقول قائلهم: من شهد الحقيقةَ سقط عنه الأمرُ. ويحتجُّون بقوله تعالى: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] ويفسِّرون "اليقين" بشهود الحكمِ الكونيِّ، وهي الحقيقةُ عندهم٢. ولا ريب أنَّ العامَّةَ خيرٌ من هؤلاء وأصحُّ إيمانًا، فإنَّ هذا زندقةٌ ونفاقٌ، وكذبٌ منهم على أنفسهم ونبيِّهم وإلههم.

أمّا كذبُهم على أنفسهم، فإنَّهم لا بدَّ أن يفرِّقوا قطعًا، فرغبوا عن الفرق

  1. (١) البيت لابن إسرائيل محمد بن سوَّار الشاعر الصوفي الدمشقي (ت ٦٧٧) كما في "مجموع الفتاوى" (٨/ ٢٥٧)، وقد أنشده شيخ الإسلام والمصنف في غير موضع من كتبهما. انظر مثلًا: "قاعدة الفناء والبقاء" في "جامع المسائل" (١/ ١٧٠)، و"منهاج السنة" (٣/ ٢٥)، و"طريق الهجرتين" (١/ ٥٥)، وسيأتي في هذا الكتاب أكثر من مرة.
  2. (٢) انظر: "جامع المسائل" (٧/ ١٦٨)، (٤/ ٢٧٨ - ٢٧٩)، و"مجموع الفتاوى" (١٠/ ١٦٥ - ١٦٦)، (١٣/ ٢٦٧)، و"منهاج السنة" (٣/ ٧٦).
250

النّبويِّ القرآنيِّ، فوقعوا في الفرق النّفسيِّ الطّبعيِّ، مثل حال إبليس، تكبَّر عن السُّجود لآدم، ورضي لنفسه بالقيادة لفُسَّاق ذرِّيّته! ومثل المشركين تكبَّروا عن عبادة الله، ورضُوا لأنفسهم عبادةَ الأحجار والأوثان! ومثل أهل البدع تكبَّروا عن تقليد النُّصوص وتلقِّي الهدى من مشكاتها، ورضُوا لأنفسهم بتقليد أقوالٍ مخالفةٍ للفطرة والعقل والشّرع، وظنُّوها قواطع عقليّةً، وقدَّموها على نصوص الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، وهي في الحقيقة شبهاتٌ باطلةٌ مخالفةٌ للسَّمع والعقل.

ومثل الجهميَّة الأولى نزَّهوا الرَّبَّ عن عرشه، وجعلوه في أجواف البيوت والحوانيت والحمّامات، وقالوا: هو في كلِّ مكانٍ بذاته، ونزَّهوه عن صفات كماله ونعوت جلاله حذرًا ــ بزعمهم ــ من التَّشبيه، فشبّهوه بالجامدات النّاقصة الخسيسة التي لا تتكلَّم، ولا لها سمع ولا بصر ولا علم ولا حياة، بل شبَّهوه بالمعدومات الممتنعِ وجودُها.

ومثل المعطِّلة الذين قالوا: ما فوق العرش إلّا العدم، وليس فوق العرش ربٌّ يُعبَد، ولا إلهٌ يُصلَّى له ويُسْجَد، ولا تُرفَعُ الأيدي إليه، ولا رُفِعَ المسيحُ إليه، ولا تعرجُ الملائكةُ والرُّوح إليه، ولا أُسْري برسول الله ﷺ إليه ودنا منه حتّى كان قاب قوسين أو أدنى، ولا ينزل من عنده شيءٌ، ولا يصعد إليه شيءٌ، ولا يراه أهلُ الجنّة من فوقهم يوم القيامة. واستواؤه على عرشه لا حقيقة له، بل على المجاز الذي يصحُّ نفيُه. وعلوُّه فوق خلقه بالرُّتبة والشّرف، لا بالذّات. وكذلك فوقيَّتُه فوقيَّةُ قهرٍ، لا فوقيّة ذاتٍ. فنزَّهوه عن كمال علوِّه وفوقيّته، ووصفوه بما ساوَوْا١ به بينه وبين العدم المستحيل،

  1. (١) ج: "شابهوا"، تحريف.
251

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي