فقالوا: لا داخلَ العالم، ولا خارجَه، ولا متصلًا به، ولا منفصلًا عنه، ولا محايثًا له، ولا مباينًا له، ولا هو فينا، ولا خارجٌ عنّا. ومعلومٌ أنّه لو قيل لأحد: صِفْ لنا العَدَمَ، لوصفه بهذا بعينه! وانطباقُ هذا السَّلب على العدم المحض أقرب إلى العقول والفِطَر من انطباقه على ربِّ العالمين الذي ليس في مخلوقاته شيءٌ من ذاته، ولا في ذاته شيءٌ من مخلوقاته، بل هو بائنٌ عن خلقه، مستوٍ على عرشه، عالٍ على كلِّ شيءٍ، وفوق كلِّ شيءٍ.
والقصد: أنَّ كلَّ من أعرض عن شيءٍ من الحقِّ وجَحَده وقَع في باطلٍ مقابلٍ لما أعرض عنه من الحقِّ وجَحَده، ولا بدَّ؛ حتّى في الأعمال، مَن رغب عن العمل لوجه الله وحدَه ابتلاه الله بالعمل لوجوه الخلق، فرغب عن العمل لِمَن ضرُّه ونفعُه وموتُه وحياتُه ونشورُه وسعادتُه بيده، فابتلي بالعمل لمن لا يملك له شيئًا من ذلك.
وكذلك مَن رغِبَ عن إنفاق ماله لله وفي طاعته١، ابتُلِيَ بإنفاقه لغير الله، وهو راغمٌ٢. وكذلك مَن رغِبَ عن التَّعب لله ابتُلِيَ بالتَّعب في خدمة الخلق٣، ولا بدّ. وكذلك مَن رغِبَ عن الهدي بالوحي ابتُلِيَ بكُناسةِ الآراء وزُبالةِ الأذهان ووسَخِ الأفكار.
فليتأمَّلْ من٤ يريد نصحَ نفسه وسعادتَها وفلاحَها هذا الموضعَ في نفسه وفي غيره. والله المستعان.
(١) ع: "ما له في طاعة الله".
(٢) "وكذلك من رغب ... راغم" ساقط من ج.
(٣) ج: "عن التعبد لله ابتلي بخدمة الخلق".
(٤) ل: "ثم"، تحريف.
ولا ريب أنّ العامّة ــ مع غفلتهم وشهواتهم ــ أصحُّ إيمانًا من هؤلاء، إذ١ لم يعطِّلوا الأمر والنّهي؛ فإنَّ إيمانًا مع تفرقةٍ وغفلةٍ خيرٌ من شهودٍ وجمعيّةٍ يصحَبها فسادُ الإيمان والانسلاخُ منه.
وأمّا كذبُهم على نبيِّهم، فاعتقادُهم أنّه إنّما كان قيامُه بالأوراد والعبادات لأجل التَّشريع، لا لأنَّها فرضٌ عليه، إذ قد سقط عنه٢ ذلك بشهود الحقيقة وكمال اليقين؛ فإنّ الله ﷿ أمَرَه وأمَرَ سائرَ رسله بعبادته إلى حين انقضاء آجالهم، فقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾[الحجر: ٩٩] وهو الموت بالإجماع، كما قال في الآية الأخرى عن الكفّار: ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦﴾[المدثر: ٤٦ - ٤٧]. وقال ﷺ: "أمّا عثمان بن مظعونٍ فقد جاءه اليقينُ من ربِّه"٣ قاله لمّا مات عثمان. وقال المسيح صلى الله على نبينا وعليه وسلَّم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾[مريم: ٣٠ - ٣١]. فهذه وصيّةُ الله تعالى للمسيح ﵇، وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم. قال الحسن ﵁: لم يجعل الله لعبادة المؤمن٤ أجلًا دون الموت٥.
(١) ج، م: "إذا"، وطمست الألف في ش.
(٢) "عنه" ساقط من ع.
(٣) أخرجه البخاري (١٢٤٣) وقد تقدَّم.
(٤) ج: "لعبادته". وفي ع: "لعبده المؤمن". وفي ش: "لعباده المؤمنين"، وكذا غُيِّر في م.
(٥) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٨) وأحمد في "الزهد" (ص ٢٢١) وابن المقرئ في "معجمه" (٧٢٠). وانظر: "درء التعارض" (٣/ ٢٧٣) و"الاستقامة" (١/ ٤١٨).