مدارج السالكين

ولا ريب أنّ العامّة ــ مع غفلتهم وشهواتهم ــ أصحُّ إيمانًا من هؤلاء، إذ١ لم يعطِّلوا الأمر والنّهي؛ فإنَّ إيمانًا مع تفرقةٍ وغفلةٍ خيرٌ من شهودٍ وجمعيّةٍ يصحَبها فسادُ الإيمان والانسلاخُ منه.

وأمّا كذبُهم على نبيِّهم، فاعتقادُهم أنّه إنّما كان قيامُه بالأوراد والعبادات لأجل التَّشريع، لا لأنَّها فرضٌ عليه، إذ قد سقط عنه٢ ذلك بشهود الحقيقة وكمال اليقين؛ فإنّ الله ﷿ أمَرَه وأمَرَ سائرَ رسله بعبادته إلى حين انقضاء آجالهم، فقال: ﴿وَاعْبُدْ رَبَّكَ حَتَّى يَأْتِيَكَ الْيَقِينُ﴾ [الحجر: ٩٩] وهو الموت بالإجماع، كما قال في الآية الأخرى عن الكفّار: ﴿مَعَ الْخَائِضِينَ ٤٥ وَكُنَّا نُكَذِّبُ بِيَوْمِ الدِّينِ ٤٦﴾ [المدثر: ٤٦ - ٤٧]. وقال ﷺ: "أمّا عثمان بن مظعونٍ فقد جاءه اليقينُ من ربِّه"٣ قاله لمّا مات عثمان. وقال المسيح صلى الله على نبينا وعليه وسلَّم: ﴿إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا ٣٠ وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنْتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلَاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا﴾ [مريم: ٣٠ - ٣١]. فهذه وصيّةُ الله تعالى للمسيح ﵇، وكذلك لجميع أنبيائه ورسله وأتباعهم. قال الحسن ﵁: لم يجعل الله لعبادة المؤمن٤ أجلًا دون الموت٥.

  1. (١) ج، م: "إذا"، وطمست الألف في ش.
  2. (٢) "عنه" ساقط من ع.
  3. (٣) أخرجه البخاري (١٢٤٣) وقد تقدَّم.
  4. (٤) ج: "لعبادته". وفي ع: "لعبده المؤمن". وفي ش: "لعباده المؤمنين"، وكذا غُيِّر في م.
  5. (٥) أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١٨) وأحمد في "الزهد" (ص ٢٢١) وابن المقرئ في "معجمه" (٧٢٠). وانظر: "درء التعارض" (٣/ ٢٧٣) و"الاستقامة" (١/ ٤١٨).
253

وإذا١ جمع هؤلاء التّجهُّمَ في الأسماء والصِّفات إلى شهود هذه الحقيقة والوقوف عندها، فأعاذك الله من تعطيل الرَّبِّ وشرعِه بالكلِّيّة، فلا ربٌّ يُعبَد، ولا شرعٌ يُتّبع بالكلِّيّة!

ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسيِّر طرفَه بين تلك المعالم، وليقف على تلك المعاهد، وليسأل الأحوالَ والرُّسومَ والشَّواهدَ، فإن لم تُجِبْه حِوارًا٢، أجابته حالًا واعتبارًا. وإنّما يصدِّق بهذا من رافق السّالكين، وفارق القاعدين، وتبوّأ الإيمان٣، وفارق عوائد أهل الزّمان، ولم يرض بقول القائل:

دع المعاليَ لا تنهَضْ لبغيتهاواقعُدْ فإنَّكَ أنت الطَّاعم الكاسي٤
  1. (١) ج: "فإذا".
  2. (٢) في م ضبطه بكسر الحاء ووضع تحتها علامة الإهمال. وفي ل، ع: "جُؤَارًا" كذا مضبوطًا، ورسمه في ق يحتمل أيضًا هذا الضبط. وفي هامش ع أن في نسخةٍ "جوابًا". والجؤار: قيل إنه الصياح ورفع الصوت ولكن بالدعاء والتضرع. والعبارة مشهورة من كلام الفضل بن عيسى الرَّقاشي، وفيها "حوارًا". انظر: "البيان والتبيُّن" (١/ ٨١، ٣٠٨)، و"مجموع الفتاوى" (١٢/ ٤٥٠)، (١٤/ ١٧٤). ومثله جاء في كلام المصنف في "روضة المحبين" (ص ٢٨٣).
  3. (٣) ج: "عوائد الإيمان"، والظاهر أن الناسخ وجد كلمة "عوائد" في هامش الأصل فأخطأ موضعها.
  4. (٤) من الأبيات السائرة للحطيئة. انظر: "ديوانه" نشرة نعمان طه (ص ٥٠) والرواية: "دع المكارم لا ترحل".
254

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي