مدارج السالكين

وإذا١ جمع هؤلاء التّجهُّمَ في الأسماء والصِّفات إلى شهود هذه الحقيقة والوقوف عندها، فأعاذك الله من تعطيل الرَّبِّ وشرعِه بالكلِّيّة، فلا ربٌّ يُعبَد، ولا شرعٌ يُتّبع بالكلِّيّة!

ومن أراد الوقوف على حقيقة ما ذكرنا فليسيِّر طرفَه بين تلك المعالم، وليقف على تلك المعاهد، وليسأل الأحوالَ والرُّسومَ والشَّواهدَ، فإن لم تُجِبْه حِوارًا٢، أجابته حالًا واعتبارًا. وإنّما يصدِّق بهذا من رافق السّالكين، وفارق القاعدين، وتبوّأ الإيمان٣، وفارق عوائد أهل الزّمان، ولم يرض بقول القائل:

دع المعاليَ لا تنهَضْ لبغيتهاواقعُدْ فإنَّكَ أنت الطَّاعم الكاسي٤
  1. (١) ج: "فإذا".
  2. (٢) في م ضبطه بكسر الحاء ووضع تحتها علامة الإهمال. وفي ل، ع: "جُؤَارًا" كذا مضبوطًا، ورسمه في ق يحتمل أيضًا هذا الضبط. وفي هامش ع أن في نسخةٍ "جوابًا". والجؤار: قيل إنه الصياح ورفع الصوت ولكن بالدعاء والتضرع. والعبارة مشهورة من كلام الفضل بن عيسى الرَّقاشي، وفيها "حوارًا". انظر: "البيان والتبيُّن" (١/ ٨١، ٣٠٨)، و"مجموع الفتاوى" (١٢/ ٤٥٠)، (١٤/ ١٧٤). ومثله جاء في كلام المصنف في "روضة المحبين" (ص ٢٨٣).
  3. (٣) ج: "عوائد الإيمان"، والظاهر أن الناسخ وجد كلمة "عوائد" في هامش الأصل فأخطأ موضعها.
  4. (٤) من الأبيات السائرة للحطيئة. انظر: "ديوانه" نشرة نعمان طه (ص ٥٠) والرواية: "دع المكارم لا ترحل".
254

فصل

الدّرجة الثّالثة من درجات الفناء: فناءُ خواصِّ الأولياء وأئمّة المقرَّبين، وهو الفناء عن إرادة السِّوى شائمًا برقَ الفناء عن إرادة ما سواه، سالكًا سبيلَ الجمع على ما يحبُّه ويرضاه، فانيًا بمراد محبوبه منه عن مراده هو من محبوبه، فضلًا عن إرادة غيره. قد اتَّحَدَ مرادُه بمراد محبوبه ــ أعني المرادَ الدِّينيَّ الأمريَّ، لا المرادَ الكونيَّ القدريَّ ــ فصار المرادان واحدًا.

وليس في العقل اتِّحادٌ صحيحٌ إلّا هذا، والاتِّحاد في العلم والخبر، فيكون المرادان والمعلومان والمذكوران واحدًا، مع تباين الإرادتين والعِلمين والخبرين. فغايةُ المحبّة اتِّحادُ مراد المحبِّ بمراد المحبوب، وفناءُ إرادة المحبِّ في مراد المحبوب. فهذا الاتِّحادُ والفناءُ هو اتِّحادُ خواصِّ المحبِّين وفناؤهم، قد فَنُوا بعبادته عن عبادة ما سواه، وبحبِّه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه والاستعانة به والطّلب منه عن حبِّ ما سواه وخوفه ورجائه والتّوكُّل عليه.

ومن تحقيق هذا الفناء: أن لا يحبَّ إلّا في الله، ولا يبغض إلّا فيه، ولا يوالي إلّا فيه، ولا يعادي إلّا فيه، ولا يعطي إلّا له، ولا يمنع إلّا له، ولا يرجو إلّا إيَّاه، ولا يستعين إلّا به. فيكون دينُه كلُّه ظاهرًا وباطنًا لله، ويكون الله ورسوله أحبَّ إليه ممّا سواهما، فلا يوادُّ من حادَّ اللهَ ورسولَه ولو كان أقربَ الخلق إليه، بل:

يعادي الذي عادى من النّاس كلِّهمجميعًا ولو كان الحبيبَ المصافيا١
  1. (١) من قصيدة لأبي قيس صِرْمة بن أبي أنس الأنصاري في "سيرة ابن هشام" (١/ ٥١٢). وقد أنشده المصنف ضمن أبيات في "زاد المعاد" (٣/ ٧٣)، و"روضة المحبين" (ص ٣٨٩). والرواية: "نعادي"، ولعل المصنف غيَّرها ليناسب السياق.
255

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي