مدارج السالكين

وحقيقة ذلك: فناؤه عن هوى نفسه وحظوظها بمَراضي ربِّه وحقوقه.

والجامعُ لهذا كلِّه: تحقيقُ شهادة أن لا إله إلّا الله علمًا ومعرفةً وعملًا وحالًا وقصدًا.

وحقيقةُ هذا النّفي والإثبات الذي تضمَّنته هذه الشّهادةُ هو: الفناء والبقاء، فيفنى عن تألُّهِ ما سواه علمًا وإقرارًا وتعبُّدًا، ويبقى بتألُّهِه وحده. فهذا الفناء وهذا البقاء هو حقيقة التَّوحيد الذي اتفقت عليه المرسلون، وأُنزلت به الكتب، وخُلِقت لأجله الخليقة، وشُرِعت له الشّرائع، وقامت عليه سوقُ الجنّة، وأُسِّس عليه الخلقُ والأمرُ.

وحقيقتُه أيضًا: البراء والولاء: البراءُ من عبادة غير الله، والولاءُ لله، كما قال تعالى: ﴿قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاهِيمَ وَالَّذِينَ مَعَهُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِهِمْ إِنَّا بُرَآءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ﴾ [الممتحنة: ٤]. وقال١ إبراهيم لأبيه وقومه: ﴿إِنَّنِي بَرَاءٌ مِمَّا تَعْبُدُونَ ٢٦ إِلَّا الَّذِي فَطَرَنِي فَإِنَّهُ سَيَهْدِينِ﴾ [الزخرف: ٢٦ - ٢٧]، وقال أيضًا: ﴿قَالَ يَاقَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ ٧٨ إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا﴾ [الأنعام: ٧٨ - ٧٩]. وقال الله لرسوله: ﴿قُلْ يَاأَيُّهَا الْكَافِرُونَ ١ لَا أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ ٢﴾ إلى آخر السورة. وهذه براءةٌ منهم ومن معبودهم، وسمَّاها براءةً من الشِّرك٢.

  1. (١) ش، ع: "وإذ قال"، وفي ج: "وقوله تعالى: وإذ قال".
  2. (٢) سمَّاها النبي ﷺ في حديث نوفل الأشجعي، أخرجه أحمد (٢٣٨٠٧)، (٢٤٠٠٩/ ٤٩، ٥٠) والدارمي (٣٤٧٠) وأبو داود (٥٠٥٥) والترمذي (٣٤٠٣) والنسائي في "الكبرى" (١٠٥٦٩، ١٠٥٧٠، ١١٦٤٥) وغيرهم من طرق عن أبي إسحاق السبيعي عن فروة بن نوفل الأشجعي عن أبيه مرفوعًا. وقد اختُلف على أبي إسحاق في إسناده، وقد رجح الترمذي والدارقطني في "العلل" (٣١٧٤) الوجه المذكور. والحديث صححه ابن حبان (٧٩٠، ٥٥٢٦، ٥٥٤٦) والحاكم (٢/ ٦٣٢)، وحسَّنه الحافظ في "نتائج الأفكار" (٣/ ٦١).
256

وهي حقيقة المحو والإثبات، فيمحو إلهيَّةَ ما سوى الله من قلبه علمًا وقصدًا وعبادةً، كما هي ممحوَّةٌ من الوجود، ويُثبِت فيه إلهيّتَه سبحانه وحده.

وهي حقيقة الجمع والفرق، فيفرِّق بين الإله الحقِّ ومَن ادُّعِيَتْ له الإلهيّةُ بالباطل، ويجمع تألُّهَه وعبادتَه وحبَّه وخوفَه ورجاءَه وتوكُّلَه واستعانتَه على إلهه الحقِّ الذي لا إله سواه.

وهي حقيقة التّجريد والتّفريد، فيتجرَّد عن عبادة ما سواه، ويُفرده وحده بالعبادة. فالتّجريد نفيٌ، والتّفريد إثباتٌ، ومجموعهما هو التّوحيد.

فهذا الفناء والبقاء، والولاء والبراء، والمحو والإثبات، والجمع والفرق١، والتَّجريد والتَّفريد= المتعلِّقُ بتوحيد الإلهيّة: هو النّافع المثمر المُنجي الذي به تنال السّعادة والفلاح.

وأمّا تعلُّقُه بتوحيد الرُّبوبيّة الذي أقرَّ به المشركون عُبَّادُ الأصنام، فغايتُه فناءٌ في تحقيق توحيدٍ مشتركٍ بين المؤمنين والكفّار وأولياء الله وأعدائه، لا يصير به وحده الرّجلُ مسلمًا، فضلًا عن كونه عارفًا محقِّقًا.

  1. (١) ش: "التفرق".
257

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي