مدارج السالكين

نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ﴾ [الحشر: ١٨]. فأمر سبحانه العبدَ أن ينظر ما قدَّم لغده١، وذلك يتضمَّن محاسبةَ نفسه على ذلك، والنّظرَ هل يصلُح ما قدَّمه أن يلقى الله به أو لا يصلح؟ والمقصود من هذا النّظر: ما يوجبه ويقتضيه من كمال الاستعداد، وتقديم ما ينجيه من عذاب الله ويبيِّضُ وجهه عند الله.

وقال عمر بن الخطّاب ﵁: حاسِبُوا أنفسكم قبل أن تُحاسَبوا، وزِنُوها قبل أن تُوزَنوا، وتزيَّنُوا للعرض الأكبر ﴿يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ﴾ أو قال٢: على من لا تخفى عليه أعمالكم٣.

قال صاحب "المنازل" ﵀٤: (المحاسبة٥ لها ثلاثة أركانٍ:

  1. (١) "فأمر ... لغده" ساقط من ش.
  2. (٢) ما بعد "الأكبر" إلى هنا زيادة من ع.
  3. (٣) أخرجه أحمد في "الزهد" (ص ٩٩)، وابن أبي الدنيا في "محاسبة النفس" (٢) والآجري في "أدب النفوس" (١٧) وأبو نعيم في "الحلية" (١/ ٥٢). وقال ابن كثير في "مسند الفاروق" (٢/ ٦١٢): "أثر مشهور، وفيه انقطاع. وثابت بن الحجاج هذا جزري، تابعي صغير لم يدرك عمر. ولم يرو عنه سوى جعفر بن برقان".
    وروي أيضًا من طريق آخر عن جعفر بن برقان عن عمر من غير واسطة، أخرجه البيهقي في "شعب الإيمان" (١٠١١٧) وفي "الزهد الكبير" (ص ١٩٢).
    وروي كذلك عن مالك بن مغول بلاغًا عن عمر بن الخطاب، أخرجه ابن المبارك في "الزهد" (١/ ١٠٣) ومن طريقه أبو عبيد في "الخطب والمواعظ" (١٤٤) وابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٤٤/ ٣١٤، ٣٥٧). وانظر: "الضعيفة" (١٢٠١).
  4. (٤) (ص ١٢).
  5. (٥) في مطبوعة "المنازل": "والعزيمة"، ولم يُشر المحقق إلى اختلاف النسخ. وكذا في شروح المنازل إلا "شرح سديد الدين الإسكندري" (ص ٢٥) فقد ثبت فيه كما هنا، ومثله في بعض نسخ "شرح القاساني" (ص ٥٤). وفي "شرح المناوي" (ص ٦٨): "ولها ثلاثة أركان". والباب باب المحاسبة، فينبغي أن يذكر فيه أركانها، لا أركان العزيمة التي لم يعدَّها الهرويُّ منزلةً أصلًا.
260

أحدها: أن تقيس بين نعمته وجنايتك).

يعني: تقايس بينَ ما مِنَ الله وما منك، فحينئذٍ يظهر لك التّفاوتُ، وتعلمُ أنّه ليس إلّا عفوُه ورحمتُه، أو الهلاكُ والعطَبُ.

وفي هذه المقايسة تعلم أنَّ الرَّبَّ ربٌّ والعبدَ عبدٌ، ويتبيَّن لك حقيقةُ النّفس وصفاتُها، وعظمةُ جلال الرُّبوبيّة، وتفرُّدُ الرَّبِّ بالكمال والإفضال، وأنَّ كلَّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلَّ نقمةٍ منه عدلٌ. وأنت قبل هذه المقايسة جاهلٌ بحقيقة نفسك، وبربوبيّة فاطرها وخالقها. فإذا قايستَ ظهَر لك أنَّها منبعُ كلِّ شرٍّ، وأساسُ كلِّ نقصٍ، وأنَّ حدَّها الجاهلة الظّالمة، وأنّه لولا فضلُ الله ورحمتُه بتزكيته سبحانه ما زكت أبدًا؛ ولولا هداه ما اهتدت، ولولا إرشادُه وتوفيقُه لما كان لها وصولٌ إلى خيرٍ البتّة، وأنّ حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها، وتوقُّفُه عليه كتوقُّفِ وجودها على إيجاده، فكما أنّها ليس لها من ذاتها وجودٌ، فكذلك ليس لها من ذاتها كمالُ الوجود، فليس لها من ذاتها إلّا العدمُ: عدمُ الذّات وعدمُ الكمال، فهناك تقول١ حقًّا: "أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي"٢.

ثمّ تقيس بين الحسنات والسّيِّئات، فتعلم بهذه المقايسة أيُّهما أكثرُ٣

  1. (١) ش: "يقول"، والمثبت من م. وفي غيرهما أهمل حرف المضارع.
  2. (٢) من سيد الاستغفار، وقد تقدم تخريجه.
  3. (٣) ج، ش: "أكبر"، والمثبت من م، وكذا في "شرح التلمساني" (ص ٧٤). وأهمل في ق، ل.
261

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي