يعني: تقايس بينَ ما مِنَ الله وما منك، فحينئذٍ يظهر لك التّفاوتُ، وتعلمُ أنّه ليس إلّا عفوُه ورحمتُه، أو الهلاكُ والعطَبُ.
وفي هذه المقايسة تعلم أنَّ الرَّبَّ ربٌّ والعبدَ عبدٌ، ويتبيَّن لك حقيقةُ النّفس وصفاتُها، وعظمةُ جلال الرُّبوبيّة، وتفرُّدُ الرَّبِّ بالكمال والإفضال، وأنَّ كلَّ نعمةٍ منه فضلٌ، وكلَّ نقمةٍ منه عدلٌ. وأنت قبل هذه المقايسة جاهلٌ بحقيقة نفسك، وبربوبيّة فاطرها وخالقها. فإذا قايستَ ظهَر لك أنَّها منبعُ كلِّ شرٍّ، وأساسُ كلِّ نقصٍ، وأنَّ حدَّها الجاهلة الظّالمة، وأنّه لولا فضلُ الله ورحمتُه بتزكيته سبحانه ما زكت أبدًا؛ ولولا هداه ما اهتدت، ولولا إرشادُه وتوفيقُه لما كان لها وصولٌ إلى خيرٍ البتّة، وأنّ حصول ذلك لها من بارئها وفاطرها، وتوقُّفُه عليه كتوقُّفِ وجودها على إيجاده، فكما أنّها ليس لها من ذاتها وجودٌ، فكذلك ليس لها من ذاتها كمالُ الوجود، فليس لها من ذاتها إلّا العدمُ: عدمُ الذّات وعدمُ الكمال، فهناك تقول١ حقًّا: "أبوء لك بنعمتك عليَّ وأبوء بذنبي"٢.
ثمّ تقيس بين الحسنات والسّيِّئات، فتعلم بهذه المقايسة أيُّهما أكثرُ٣
(١) ش: "يقول"، والمثبت من م. وفي غيرهما أهمل حرف المضارع.
(٢) من سيد الاستغفار، وقد تقدم تخريجه.
(٣) ج، ش: "أكبر"، والمثبت من م، وكذا في "شرح التلمساني" (ص ٧٤). وأهمل في ق، ل.
وأرجَحُ قدرًا وصفةً. وهذه المقايسةُ الثّانيةُ مقايسةٌ بين أفعالك وما منك خاصّةً.
قال١: (وهذه المقايسةُ تشقُّ على من ليس له ثلاثة أشياء: نورُ الحكمة، وسوءُ الظّنِّ بالنّفس، وتمييزُ النِّعمة من الفتنة).
يعني: أنّ هذه المقايسة والمحاسبة تتوقَّف على نور الحكمة، وهو النُّور الذي نوَّر الله به قلوبَ أتباع الرُّسل، وهو نور الحكمة، فبقدره يرى التَّفاوت، ويتمكَّن من المحاسبة.
ونورُ الحكمة هاهنا: هو العلم الذي يميِّز به بين الحقِّ والباطل، والهدى والضّلال، والضَّارِّ والنَّافع، والكامل والنَّاقص، والخير والشَّرِّ؛ ويُبصر به مراتبَ الأعمال: راجحَها ومرجوحَها، ومقبولَها ومردودَها. وكلَّما كان حظُّه من هذا النُّور أقوى كان حظُّه من المحاسبة أكملَ وأتمَّ.
وأمّا سوءُ الظّنِّ بالنّفس، فإنّما احتاج إليه لأنَّ حسنَ الظّنِّ بالنّفس يمنع من كمال التّفتيش ويُلبِّس عليه، فيرى المساوئَ محاسنَ، والعيوبَ كمالًا، فإنَّ المحبَّ يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك.
(٢) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في "الحيوان" (٣/ ٤٨٨)، و"عيون الأخبار" (٣/ ١١، ٧٦)، و"الكامل" للمبرد (١/ ٢٧٧)، و"الأغاني" (١٢/ ٢١٢ - الثقافة). والرواية: "ولكنَّ عين السخط" كما أنشده المؤلف في "روضة المحبين" (ص ٢١١) وأشير إليها في هامش ش.