وأرجَحُ قدرًا وصفةً. وهذه المقايسةُ الثّانيةُ مقايسةٌ بين أفعالك وما منك خاصّةً.
قال١: (وهذه المقايسةُ تشقُّ على من ليس له ثلاثة أشياء: نورُ الحكمة، وسوءُ الظّنِّ بالنّفس، وتمييزُ النِّعمة من الفتنة).
يعني: أنّ هذه المقايسة والمحاسبة تتوقَّف على نور الحكمة، وهو النُّور الذي نوَّر الله به قلوبَ أتباع الرُّسل، وهو نور الحكمة، فبقدره يرى التَّفاوت، ويتمكَّن من المحاسبة.
ونورُ الحكمة هاهنا: هو العلم الذي يميِّز به بين الحقِّ والباطل، والهدى والضّلال، والضَّارِّ والنَّافع، والكامل والنَّاقص، والخير والشَّرِّ؛ ويُبصر به مراتبَ الأعمال: راجحَها ومرجوحَها، ومقبولَها ومردودَها. وكلَّما كان حظُّه من هذا النُّور أقوى كان حظُّه من المحاسبة أكملَ وأتمَّ.
وأمّا سوءُ الظّنِّ بالنّفس، فإنّما احتاج إليه لأنَّ حسنَ الظّنِّ بالنّفس يمنع من كمال التّفتيش ويُلبِّس عليه، فيرى المساوئَ محاسنَ، والعيوبَ كمالًا، فإنَّ المحبَّ يرى مساوئ محبوبه وعيوبه كذلك.
(٢) البيت لعبد الله بن معاوية بن عبد الله بن جعفر بن أبي طالب في "الحيوان" (٣/ ٤٨٨)، و"عيون الأخبار" (٣/ ١١، ٧٦)، و"الكامل" للمبرد (١/ ٢٧٧)، و"الأغاني" (١٢/ ٢١٢ - الثقافة). والرواية: "ولكنَّ عين السخط" كما أنشده المؤلف في "روضة المحبين" (ص ٢١١) وأشير إليها في هامش ش.
ولا يسيءُ الظّنَّ بنفسه إلّا مَن عرفها. ومَن أحسن ظنَّه بها فهو من أجهل النّاس بنفسه!
وأمّا تمييزُه النِّعمةَ١ من الفتنة، ليفرِّقَ٢ بين النِّعمة التي يراد بها الإحسانُ واللُّطفُ، ويُعانُ بها على تحصيل سعادته الأبديّة، وبين النِّعمة التي يراد بها الاستدراجُ. فكم من مستدرَجٍ بالنِّعم وهو لا يشعُر، مفتونٍ بثناء الجهَّال عليه، مغرورٍ بقضاء الله حوائجَه وسَتْرِه عليه! وأكثرُ الخلق٣ عندهم أنَّ هذه الثّلاثةَ علامةُ السّعادة والنّجاح. ﴿ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ﴾[النجم: ٣٠]!
فإذا كملت هذه الثّلاثةُ فيه عرَفَ حينئذٍ أنَّ ما كان من نِعَم الله عليه يجمَعُه على الله فهو نعمةٌ حقيقيَّةٌ، وما فرَّقَه عنه وأخَذَه منه فهو البلاءُ في صورة النِّعمة، والمِحْنةُ في صورة المِنْحة؛ فليحذَرْ، فإنَّما هو مستدرَجٌ. ويميِّزْ٤ بذلك أيضًا بين المنّة والحجّة، فلم تُلَبَّسْ٥ إحداهما عليه بالأخرى؛ فإنَّ العبدَ بين منّةٍ من الله عليه، وحجّةٍ منه عليه، ولا ينفكُّ منهما.