مدارج السالكين

وجوبِ العبوديّة والتزامِ الطّاعة واجتنابِ المعصية، وبين ما لَكَ. والّذي لك هو المباح الشّرعيُّ. فعليك حقٌّ، ولك حقٌّ١. ولابدَّ من التّمييزِ بين ما لك وما عليك، وإعطاءِ كلِّ ذي حقٍّ حقَّه.

وكثيرٌ من النّاس يجعل كثيرًا ممَّا عليه من الحقِّ من قِسْم ما لَه، فيتخيَّر٢ بين فعله وتركه، وإن فعَلَه رأى أنّه فضلٌ قام به، لا حقٌّ أدَّاه!

وبإزاء هؤلاء من يرى كثيرًا ممّا له فعلُه وتركُه، من قِسْمِ ما عليه فعلُه أو تركُه، فيتعبَّد بتركِ ما له فعلُه كترك كثيرٍ من المباحات، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه؛ أو يتعبَّد بفعلِ ما له تركُه، ويظنُّ ذلك حقًّا عليه!

مثال الأوّل: من يتعبَّد بترك النِّكاح وتركِ أكل اللّحم والفاكهة مثلًا، أو الطّيِّباتِ من المطاعم والملابس، ويرى لِجهله٣ أنَّ ذلك ممَّا عليه، فيوجب على نفسه تركَه، أو يرى تركَه من أفضل القُرَب وأجلِّ الطّاعات. وقد أنكر النّبيُّ ﷺ على من زعم ذلك. ففي "الصّحيح"٤ أنّ نفرًا من أصحاب النّبيِّ ﷺ سألوا عن عبادته في السِّرِّ، فكأنّهم تقالُّوها، فقال أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النِّساء، وقال الآخر: أمّا أنا فلا أنام على فراشٍ. فبلغ النّبيَّ ﷺ مقالتُهم، فخطَب، وقال: "ما بالُ أقوامٍ يقول أحدهم: أمّا أنا فلا آكل اللّحم، ويقول الآخر: أمّا أنا فلا أتزوّج النساء، ويقول

  1. (١) بعده زيادة في ع: "فأدِّ ما عليك يأتِك ما لك".
  2. (٢) ج: "فيتحيَّر" وكأن الناسخ وضع علامة الإهمال تحت الحاء. ونحوه في م بالإهمال. وفي غيرهما بالخاء كما أثبت.
  3. (٣) رسمه في ج، م أقرب إلى "بجهله".
  4. (٤) أخرجه البخاري (٥٠٦٣)، ومسلم (١٤٠١) من حديث أنس ﵁.
266

الآخر: أمّا أنا فلا أنام على فراشٍ؟ لكنِّي أتزوَّج النِّساء، وآكل اللَّحم، وأصوم وأفطر، وأقوم وأنام١؛ فمن رغب عن سنَّتي فليس منِّي". فتبرَّأ ممَّن رغِب عن سنّته وتعبَّد لله بترك ما أباحه الله لعباده من الطّيِّبات رغبةً عنه، واعتقادًا أنّ الرّغبةَ عنه وهجرَه عبادةٌ! فهذا لم يُميِّز بين ما عليه وما له.

ومثال الثّاني: من يتعبَّد بالعبادات البدعيّة التي يظنُّها جالبةً للحال والكشف والتّصرُّف، ولهذه الأمور لوازمُ لا تحصل بدونها البتّة، فيتعبَّد بالتزام تلك اللَّوازم فعلًا وتركًا، ويراها حقًّا عليه، وهي حقٌّ له، وله تركُها، كفعل الرِّياضات والأوضاع التي رسَمها كثيرٌ من السَّالكين بأذواقهم ومواجيدهم واصطلاحهم، من غير تمييزٍ بين ما فيها من حظِّ العبد والحقِّ الذي عليه!

فهذا لونٌ، وهذا لونٌ.

ومن أركان المحاسبة ما ذكره صاحب "المنازل"، فقال٢: (الثَّالث: أن تعرفَ أنَّ كلَّ طاعةٍ رضيتَها منك فهي عليك، وكلَّ معصيةٍ عيَّرتَ بها أخاك فهي إليك)٣.

رضا العبد بطاعته دليلٌ على حسنِ ظنِّه بنفسه، وجهلِه بحقوق العبوديّة، وعدمِ علمِه بما يستحقُّه الرّبُّ ﷻ ويليق أن يُعامَل به.

وحاصل ذلك: أنَّ جهلَه بنفسه وصفاتها وآفاتها وعيوب عمله، وجهلَه

  1. (١) في ع: "وأنام وأقوم" قبل "وأصوم وأفطر".
  2. (٢) (ص ١٢).
  3. (٣) بعده في "المنازل": "ولا تضع ميزان وقتك من يديك"، ولم يشرحه المؤلف.
267

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي