مدارج السالكين

وأمره الله سبحانه بالاستغفارِ بعد أداء الرِّسالة، والقيامِ بما عليه من أعبائها، وقضاءِ فرض الحجِّ والجهاد، واقترابِ أجله، فقال في آخر ما أنزل عليه١: ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ ١ وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا ٢ فَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ وَاسْتَغْفِرْهُ إِنَّهُ كَانَ تَوَّابًا﴾ [سورة النصر]. ومن هاهنا فَهِم عمر وابن عبّاسٍ ﵃ أنَّ هذا أجلُ رسول الله ﷺ أعلَمَه٢ به، فأمَره أن يستغفره عقيبَ أداء ما عليه٣، فكان إعلامَه٤ بأنّك قد أدّيتَ ما عليك، ولم يبق عليك شيءٌ، فاجعل خاتمته الاستغفار، كما كان خاتمةَ الصّلاة والحجِّ وقيام اللّيل، وخاتمةَ الوضوء أيضًا إذ يقول بعد فراغه٥ "اللهمَّ اجعلني من التَّوَّابين، واجعلني من المتطهِّرين"٦.

فهذا شأنُ مَن عرَف ما ينبغي لله ويليق بجلاله من حقوق العبوديّة

  1. (١) ع: "آخر سورة أنزلت عليه".
  2. (٢) كتب فوقه في ع لفظ الدلالة مع علامة صح.
  3. (٣) تقدَّم تخريجه.
  4. (٤) م، ش: "إعلام"، وكذا كان في ق، ل فأصلح كما أثبت من ج.
  5. (٥) بعده في ع زيادة: "سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك".
  6. (٦) جزء من حديث طويل في الوضوء أخرجه الترمذي (٥٥) عن عمر ﵁، وقال: "وفي إسناده الاضطراب، ولا يصح عن النبي ﷺ في هذا الباب كبير شيء"، وأصله عند مسلم (٢٣٤) بدون هذا القول، قال الحافظ: "لم تثبت هذه الزيادة في هذا الحديث"، وضعَّف شواهده، ينظر: "نتائج الأفكار" (١/ ٢٣٨ - ٢٤٤) .. ولكن جنح المؤلف والألباني إلى تحسينه، ينظر: "المنار المنيف (ص ١١٦) و"الإرواء" (٩٦) و"صحيح أبي داود - الأم" (١/ ٣٠٢).
269

وشرائطها، لا جهلُ أصحاب الدَّعاوى وشطحاتُهم.

وقال بعضُ العارفين: متى رضيتَ نفسَك وعملَك لله، فاعلم أنّه غيرُ راضٍ به١. ومَن عرَفَ أنَّ نفسَه مأوى كلِّ عيبٍ وسوء٢، وعملَه عُرْضةُ كلِّ آفةٍ ونقصٍ، كيف يرضى لله نفسَه وعملَه؟

ولله درُّ الشّيخ أبي مدين٣ حيث يقول: من تحقَّق بالعبوديّة نظَر أفعالَه بعين الرِّياء، وأحوالَه بعين الدّعوى، وأقوالَه بعين الافتراء٤. وكلَّما عظُم المطلوبُ في قلبك صغُرتْ عندك وتضاءلت القيمةُ التي تبذلها في تحصيله. وكلَّما شهدتَ حقيقة الرُّبوبيّة وحقيقةَ العبوديّة، وعرفتَ الله وعرفتَ النّفس، تبيَّن لك أنَّ ما معك من البضاعة لا يصلح للملك الحقِّ٥، وإنّما يقبله بكرمه وجوده٦.

فصل

وقوله: (وكلُّ معصيةٍ عيّرتَ بها أخاك فهي إليك).

يحتمل أن يريد به: أنّها صائرةٌ إليك ولا بدّ أن تعملَها. وهذا مأخوذٌ من

  1. (١) لم أقف عليه.
  2. (٢) ع: "وشرّ".
  3. (٣) هكذا في ع، وهو الصواب. وكذا كان في ق، ل، م، فغيِّر إلى "أبي يزيد" كما في ش، ج وكذا في المطبوع.
  4. (٤) "مرآة الجنان" (٣/ ٣٥٥).
  5. (٥) بعده في ع زيادة: "ولو جئت بعمل الثقلين خشيت عاقبتَه".
  6. (٦) بعده في ع زيادة: "وتفضُّلِه، ويثيبك عليه أيضًا بكرمه وجوده وتفضُّله".
270

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي