عن النبيِّ ﷺ: "من عيَّر أخاه بذنبٍ لم يمُت حتّى يعملَه". قال الإمام أحمد ﵁ في تفسيره: هذا٢ من ذنبٍ قد تاب منه٣.
وأيضًا ففي التّعيير ضربٌ خفيٌّ من الشَّماتة بالمعيَّر. وفي "التِّرمذيِّ"٤
(١) برقم (٢٥٠٥)، أخرجه أيضًا الطبراني في "الأوسط" (٧٢٤٤) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٢٧١، ٦٣٥٦) من حديث معاذ بن جبل ﵁. قال الترمذي: "حديث حسن غريب، وليس إسناده بمتصل، وخالد بن معدان لم يدرك معاذ بن جبل". وفيه أيضًا محمد بن الحسن الهمداني، كذاب متروك الحديث. وقد حكم عليه بالوضع: ابن الجوزي في "الموضوعات" (١٥١١) والسيوطي في "اللآلي المصنوعة" (٢/ ٢٤٨) والألباني في "الضعيفة" (١٧٨) وغيرهم. وقد روي بإسناد فيه لين عن الحسن البصري بلفظ: "كانوا يقولون" أو "كنا نُحدَّث"، وهو أشبه. أخرجه أحمد في "الزهد" (١٦٣٣ - دار ابن رجب) وابن أبي الدنيا في "الصمت" (٢٨٩) وفي "الغيبة والنميمة" (١٥٠) وفي "العقوبات" (٨٥).
(٢) ع: "تفسير هذا الحديث".
(٣) نقله الترمذي بعد الحديث المذكور. قال: "قال أحمد: قالوا: من ذنبٍ قد تاب منه". وأحمد هنا: أحمد بن منيع أبو جعفر البغوي شيخ الترمذي، وقد تفرد برواية هذا الحديث.
(٤) برقم (٢٥٠٦) وقال: حسن غريب، وأخرجه أيضًا يعقوب بن سفيان الفسوي في "المشيخة" (٧٦) وابن الأعرابي في "المعجم" (١٦١٢) والطبراني في "الكبير" (٢٢/ ٥٣) وفي "الأوسط" (٣٧٣٩) وأبو نعيم في "الحلية" (٥/ ١٨٦) والبيهقي في "شعب الإيمان" (٦٣٥٥) وغيرهم من حديث القاسم بن أمية (الترمذي: أمية بن القاسم، خطأ) عن حفص بن غياث، عن بُرْد بن سِنَان، عن مكحول، عن واثلة بن الأسقع. والقاسم بن أمية قد اختلف فيه، ومكحول اختلف في سماعه من واثلة. والحديث ضعَّفه الألباني وخالف الحافظَ في تحسينه، وقد أطال عليه الكلام في "الضعيفة" (٥٤٢٦).
أيضًا مرفوعًا: "لا تُظهِر الشّماتةَ لأخيك، فيرحمَه الله ويبتليَك".
ويحتمل أن يريد: أنّ تعييرَك لأخيك بذنبه أعظمُ إثمًا من ذنبه وأشدُّ من معصيته، لما فيه من صولة الطّاعة، وتزكية النّفس وشكرها، والمناداة عليها بالبراءة من الذّنب، وأنّ أخاك هو الذي١ باء به. ولعلَّ كَسْرتَه بذنبه، وما أحدَث له من الذِّلّة والخضوع، والإزراءِ على نفسه، والتّخلُّصِ من مرض الدّعوى والكبر والعجب، ووقوفِه بين يدي الله ناكسَ الرّأس خاشعَ الطّرف منكسرَ القلب= أنفَعُ له وخيرٌ له من صولةِ طاعتك، وتكثُّرِك بها، والاعتدادِ بها، والمنّةِ على الله وخلقه بها. فما أقربَ هذا العاصيَ من رحمة الله! وما أقرَبَ هذا المُدِلَّ من مَقْت الله! فذنبٌ تَذِلُّ به لديه أحبُّ إليه من طاعةٍ تُدِلُّ٢ بها عليه٣، وأنينُ المذنبين أحبُّ إليه من زَجَلِ المسبِّحين المُدِلِّين! ولعلَّ الله أسقاه بهذا الذّنب دواءً استخرج به داءً قاتلًا هو٤ فيك ولا تشعر.
فللّه في أهل طاعته ومعصيته أسرارٌ لا يعلمها إلّا هو. ولا يطالعها إلّا أهلُ البصائر، فيعرفون منها بقدر ما تناله معارفُ البشر، ووراء ذلك ما لا
(١) لم يرد "هو الذي" في ع.
(٢) ج، ش: "يذلّ ... يدل" بالياء.
(٣) بعده في ع زيادة: "وإنّك أن تبيت نائمًا وتُصبح نادمًا خيرٌ من أن تبيت قائمًا وتصبح مُعجَبًا، فإنّ المُعجَب لا يصعد له عملٌ. وإنّك إن تضحك وأنت معترفٌ خيرٌ من أن تبكي وأنت مُدِلٌّ". وكتب بعضهم فوقها في أولها: "من" وفي آخرها: "إلى" ثم كتب حاشية نصُّها: "من عند العلامة إلى هاهنا زائد ليس في الأصل".