فإذا صحَّ له هذا المقامُ، ونزَل في هذه المنزلة، أشرف منها على مقام التّوبة، لأنّه بالمحاسبة قد تميَّز عنده ما له ممَّا عليه، فليجمع على التّشمير إليه والنُّزول فيه٢ إلى الممات.
ومنزلة التّوبة أوّل المنازل وأوسطها وآخرها، فلا يفارقه العبد٣، ولا يزال فيه إلى الممات. وإن ارتحل إلى منزلٍ آخر ارتحل به٤، ونزل به. فالتّوبة هي بداية العبد ونهايته، وحاجتُه إليها في النِّهاية ضروريّةٌ، كما حاجتُه إليها في البداية كذلك.
وقد قال تعالى: ﴿وَتُوبُوا إِلَى اللَّهِ جَمِيعًا أَيُّهَ الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾[النور: ٣١]. وهذه الآية في سورةٍ مدنيّةٍ، خاطب بها٥ أهلَ الإيمان وخيارَ خلقه أن يتوبوا إليه بعد إيمانهم وصبرهم وهجرتهم وجهادهم، ثمّ علَّقَ الفلاحَ بالتّوبة تعليقَ المسبَّبِ بسببه، وأتى بأداة "لعلّ" المُشعِرة بالتَّرجِّي إيذانًا بأنّكم إذا تبتم كنتم على رجاء الفلاح، فلا يرجو الفلاحَ إلّا التّائبون؛
(١) أخرجه مسلم (٢٦٥٤) من حديث عبد الله بن عمرو بن العاص ﵄، صدره: "إن قلوب بني آدم كلها بين إصبعين من أصابع الرحمن، كقلب واحد، يصرفه حيث يشاء، ثم قال رسول الله ﷺ: ... ".
(٢) في ع "النزول فيه" قبل "والتشمير إليه".
(٣) ع: "العبد السالك".
(٤) بعده في ع زيادة: "واستصحبه معه".
(٥) ع: "خاطب الله بها".
جعلنا الله منهم!
وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الحجرات: ١١]. فقسَّم العبادَ إلى تائبٍ وظالمٍ، وما ثَمَّ قسمٌ ثالثٌ البتّة. وأوقع اسمَ الظَّالم على من لم يتُب، ولا أظلَمَ منه لجهله بربِّه وبحقِّه، وبعيبِ نفسه وآفاتِ أعماله.
وفي الصّحيح١ عنه ﷺ أنّه قال: "يا أيُّها النّاس، توبوا إلى الله، فوالله إنِّي لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّةً".
وكان أصحابُه يعدُّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم: "ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ إنّك أنت التوَّاب الغفور" مائة مرّةٍ٢.
وما صلّى صلاةً قطُّ بعد إذ أُنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها، إلّا قال في صلاته: "سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي"٣.
وصحّ عنه أنّه قال: "لن ينجي أحدًا منكم عملُه". قالوا: ولا أنت يا
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغرِّ المزني ﵄.
(٢) أخرجه أحمد (٤٧٢٦) والبخاري في "الأدب المفرد" (٦١٨) وأبو داود (١٥١٦) والترمذي (٣٤٣٤) والنسائي في "الكبرى" (١٠٢١٩) وابن ماجه (٣٨١٤) وابن حبان (٩٢٧) من طرق عن مالك بن مِغْول عن محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا، إلا أن لفظ البخاري وأبي داود وابن ماجه وابن حبان: "التواب الرحيم". قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وانظر: "السلسلة الصحيحة" (٥٥٦).