وقال تعالى: ﴿وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾[الحجرات: ١١]. فقسَّم العبادَ إلى تائبٍ وظالمٍ، وما ثَمَّ قسمٌ ثالثٌ البتّة. وأوقع اسمَ الظَّالم على من لم يتُب، ولا أظلَمَ منه لجهله بربِّه وبحقِّه، وبعيبِ نفسه وآفاتِ أعماله.
وفي الصّحيح١ عنه ﷺ أنّه قال: "يا أيُّها النّاس، توبوا إلى الله، فوالله إنِّي لأتوب إليه في اليوم أكثر من سبعين مرّةً".
وكان أصحابُه يعدُّون له في المجلس الواحد قبل أن يقوم: "ربِّ اغفر لي وتُبْ عليَّ إنّك أنت التوَّاب الغفور" مائة مرّةٍ٢.
وما صلّى صلاةً قطُّ بعد إذ أُنزلت عليه ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ﴾ إلى آخرها، إلّا قال في صلاته: "سبحانك اللهمّ ربّنا وبحمدك، اللهمّ اغفر لي"٣.
وصحّ عنه أنّه قال: "لن ينجي أحدًا منكم عملُه". قالوا: ولا أنت يا
(١) أخرجه البخاري (٦٣٠٧) من حديث أبي هريرة، ومسلم (٢٧٠٢) من حديث الأغرِّ المزني ﵄.
(٢) أخرجه أحمد (٤٧٢٦) والبخاري في "الأدب المفرد" (٦١٨) وأبو داود (١٥١٦) والترمذي (٣٤٣٤) والنسائي في "الكبرى" (١٠٢١٩) وابن ماجه (٣٨١٤) وابن حبان (٩٢٧) من طرق عن مالك بن مِغْول عن محمد بن سوقة عن نافع عن ابن عمر ﵄ مرفوعًا، إلا أن لفظ البخاري وأبي داود وابن ماجه وابن حبان: "التواب الرحيم". قال الترمذي: حديث حسن صحيح غريب. وانظر: "السلسلة الصحيحة" (٥٥٦).
(٣) تقدَّم تخريجه (ص ٢٠٥).
رسول الله؟ قال: "ولا أنا، إلّا أن يتغمَّدني الله برحمةٍ منه وفضلٍ"١.
فصلواتُ الله وسلامُه على أعلمِ الخلق بالله وحقوقه وعظمته وما يستحقُّه جلالُه من العبوديّة، وأعرفِهم بالعبوديّة وحقوقها وأقوَمِهم بها.
فصل
ولمّا كانت التّوبة هي رجوع العبد إلى الله ومفارقته لصراط المغضوب عليهم والضَّالِّين، وذلك لا يحصل إلّا بهداية الله تعالى له إلى الصِّراط المستقيم، ولا تحصل هدايته إلّا بإعانته وتوحيده= انتظمتها٢ سورةُ الفاتحة أحسنَ انتظامٍ، وتضمَّنَتها أبلغَ تضمُّنٍ.
فمن أعطى الفاتحةَ حقَّها علمًا وشهودًا وحالًا ومعرفةً عَلِمَ أنّه لا يصحُّ له قراءتُها على العبوديّة إلّا بالتّوبة النّصوح، فإنَّ الهدايةَ التَّامّةَ إلى الصِّراط المستقيم لا تكون مع الجهل بالذُّنوب، ولا مع الإصرار عليها، فإنَّ الأوّلَ جهلٌ ينافي معرفةَ الهدى، والثّاني غَيٌّ٣ ينافي قصدَه وإرادتَه. فلذلك لا تصحُّ التّوبةُ إلّا بعد معرفة الذّنب، والاعتراف به، وطلبِ التّخلُّص من سوء عواقبه.
قال في "المنازل"٤: (وهي أن تنظر في الذّنب إلى ثلاثة أشياء: إلى انخلاعِك من العصمة حين إتيانه، وفرَحِك عند الظّفر به، وقعودِك على