مدارج السالكين

الإصرار عن تداركه، مع تيقُّنك نظرَ الحقِّ١ إليك).

يحتمل أن يريد بالانخلاع عن العصمة انخلاعَه عن اعتصامه بالله٢، فإنّه لو اعتصم به٣ لما خرج عن هداية الطّاعة. قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْتَصِمْ بِاللَّهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾ [آل عمران: ١٠١]. فلو كملت عصمتُه بالله لم يخذله أبدًا. قال تعالى: ﴿بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْمَ الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ ٧٨﴾ [الحج: ٧٨]. أي متى اعتصمتم به تولَّاكم ونصَركم، ومِن نصرِه لكم: نصرُكم على أنفسكم وعلى الشّيطان، وهما العدوَّان اللَّذان لا يفارقان، وعداوتُهما أضرُّ من عداوة العدوِّ الخارج؛ فالنَّصرُ على هذا العدوِّ أهمُّ، والعبدُ إليه أحوجُ. وكمالُ النُّصرة عليه٤ بحسب كمال الاعتصام بالله. وسيأتي الكلام إن شاء الله بعد هذا في حقيقة الاعتصام وأنَّ الإيمانَ لا يقوم إلّا به.

ويحتمل أن يريد الانخلاعَ من عصمة الله له، وأنّك إنّما ارتكبتَ الذّنبَ بعد انخلاعك من ثوبِ عصمتِه لك. فمتى عرَفَ هذا الانخلاع عظُم خطرُه عنده، واشتدَّ٥ عليه مفارقتُه، وعلِمَ أنّ الهُلْكَ كلَّ الهُلْكِ بعده. وهو حقيقةُ الخذلان، فما خلَّى الله بينك وبين الذَّنب إلّا بعد أن خَذَلك، وخلَّى بينك وبين نفسك. ولو عصَمك ووفَّقك لما وجد الذّنبُ إليك سبيلًا. فقد أجمع

  1. (١) في مطبوعة "المنازل" وشروحه: "يقينك بنظر الحق"، وقد ذكر ناشر "شرح القاساني" (ص ٤٢) أن في بعض نسخه: "تيقنك".
  2. (٢) على هذا المعنى اقتصر التلمساني في "شرحه" (١/ ٦٢).
  3. (٣) ع: "بالله".
  4. (٤) ع: "على العدو".
  5. (٥) ع: "واشتدت".
277

العارفون بالله على أنَّ الخِذْلانَ١: أن يخلِّيَ الله بينك وبين نفسك، والتّوفيقَ: أن لا يكلك الله إلى نفسك. وله سبحانه في هذه التّخليةِ بينك وبين الذّنب وخذلانِك حين٢ واقعتَه حِكَمٌ وأسرارٌ٣، سنذكر بعضها.

وعلى الاحتمالين، فترجع التّوبة إلى اعتصامك به وعصمته لك.

قوله: (وفرحِك عند الظّفر به). الفرحُ بالمعصية دليلُ شدّةِ الرّغبة فيها، والجهلِ بقَدْر مَن عصاه، والجهلِ بسوء عاقبتها وعظم خطرها= ففرحُه بها غطّى عليه ذلك كلُّه. وفرحُه بها أشدُّ ضررًا عليه من مواقعتها. والمؤمنُ لا تتمُّ لذَّتُه بمعصيته٤ أبدًا، ولا يكمل بها فرحُه؛ بل لا يباشرها إلّا والحزنُ٥ مخالطٌ لقلبه، ولكنَّ سكرَ الشَّهوة يحجبه عن الشُّعور به. ومتى خلا قلبُه من هذا الحزن واشتدَّت غبطتُه وسرورُه فليتَّهِمْ إيمانَه، وليَبْكِ على موت قلبه؛ فإنّه لو كان حيًّا لأحزنه ارتكابُه للذَّنب، وغاظه٦، وصعب عليه، ولأحَسَّ القلبُ بذلك؛ فحيث لم يُحِسَّ به فـ"ما لجُرْحٍ بميِّتٍ إيلامُ"٧.

  1. (١) بعده زيادة في ع: "أن يكلك الله إلى نفسك".
  2. (٢) ع: "حتى".
  3. (٣) ما عدا ع: "حكمًا وأسرارًا".
  4. (٤) ج، ش: "بمعصية".
  5. (٥) ما عدا ع: "الخوف"، وهو تصحيف.
  6. (٦) رسمه في ق، ل، م بالضاد.
  7. (٧) عجز بيت للمتنبي في "ديوانه" (ص ١٤٩)، وصدره:
    من يَهُنْ يسهُلِ الهوانُ عليه
278

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي