فلمّا سمع الرّئيس مقالته قام وركب إليه من فوره، وأزال عتبه عليه. فتمامُ الاعترافِ تركُ الاعتذار، بأن يكون في قلبه ولسانه٢:اللهمَّ لا عذرَ لي، وإنّما هو محضُ حقِّك، ومحضُ جنايتي، فإن عفوتَ٣ وإلّا فالحقُّ لك.
والّذي يظهر لي من كلام صاحب "المنازل" أنّه أراد بالاعتذار إظهارَ الضَّعفِ والمسكنةِ، وغلبةِ العدوِّ، وقوّةِ سلطان النّفس، وأنّه لم يكن منِّي ما كان استهانةً بحقِّك، ولا جهلًا به، ولا إنكارًا لاطِّلاعك عليَّ، ولا استهانةً بوعيدك؛ وإنّما كان عن غلباتِ الهوى، وضعفِ القوّة عن مقاومة مرض الشّهوة، وطمعًا في مغفرتك، واتِّكالًا على عفوك، وحسنَ ظنٍّ بك، ورجاءً لكرمك، وطمعًا في سعة حلمك ورحمتك. وغرَّني بك الغَرورُ، والنّفسُ الأمّارةُ بالسُّوء٤، وأعانني جهلي. ولا سبيلَ لي إلى الاعتصام إلّا بك، ولا معونةَ على طاعتك إلّا بتوفيقك، ونحو هذا من الكلام المتضمِّن للاستعطاف والتّذلُّل والافتقار، والاعتراف بالعجز، والإقرار بالعبوديّة.
فهذا من تمام التّوبة. وإنّما يسلكه الأكياس المتملِّقون لربِّهم، والله
(٢) في ع بعده زيادة: "اللهمَّ لا براءة لي من ذنبٍ فأعتذرَ، ولا قوّة لي فأنتصرَ، ولكنِّي مذنبٌ مستغفرٌ". وهي مأخوذة من كلام عمرو بن العاص ﵁ عند وفاته. انظر: "العاقبة في ذكر الموت" (ص ١٢٥).
(٣) ش: "وإن غفرت".
(٤) بعده في ع زيادة: "وسِترُك المُرخى عليَّ".
يحبُّ١ أن يُتَملَّق له. وفي الحديث: "تملَّقُوا الله"٢. وفي الصّحيح٣: "لا أحدَ أحبُّ إليه العذرُ من الله". وإن كان معنى ذلك: الإعذار، كما قال في آخرهِ: "من أجل ذلك أرسل الرُّسل مبشِّرين ومنذرين"، وقال تعالى: ﴿فَالْمُلْقِيَاتِ ذِكْرًا ٥ عُذْرًا أَوْ نُذْرًا﴾[المرسلات: ٥ - ٦]، فإنّه من تمام عدله وإحسانه أن أعذَرَ إلى عبيده، ولم يأخذ ظالمَهم إلّا بعد كمال الإعذار وإقامة الحجّة؛ فهو أيضًا يحبُّ من عبده أن يعتذر إليه، ويتنصَّل إليه من ذنبه. وفي الحديث: "من اعتذر إلى الله قبِل الله عذرَه"٤. فهذا هو الاعتذار المحمود النّافع.
وأمّا الاعتذار بالقدر، فهو مخاصمةٌ لله، واحتجاجٌ من العبد على الرّبِّ،
(١) في ع بعده زيادة: "من عبده".
(٢) ج، م: "لله". ولم أقف على هذا الحديث. وإنما ورد في كلام لأبي سليمان الداراني. قال أحمد بن أبي الحواري: "دخلت على أبي سليمان يومًا وهو يبكي، فقلت له: ما يبكيك؟ فقال: يا أحمد، وكيف لا أبكي ... أشرف الجليل سبحانه، فنادى: يا جبريل، ... أم كيف يجمل بي أن آخذ قومًا إذا جنَّهم الليل تملقوا، ... ". أخرجه القشيري في "رسالته" (ص ١٣٤) ــ ومن طريقه ابن عساكر في "تاريخ دمشق" (٣٤/ ١٣٧) ــ وأبو نعيم في "حلية الأولياء" في ترجمة أحمد بن أبي الحواري (١٠/ ١٦).
(٣) أخرجه البخاري (٧٤١٦)، ومسلم (١٤٩٩) من حديث المغيرة بن شعبة ﵁.
(٤) جزء من حديث أخرجه ابن بشران في "أماليه ــ الجزء الأول" (٥٥٩) ــ ومن طريقه وطريق غيره الضياء في "المختارة" (٦/ ٨١، ٨٢) ــ من حديث أنس بن مالك ﵁، وإسناده صحيح. وله طرق أخرى لا تخلو من ضعف، ينظر: "علل ابن أبي حاتم" (١٩١٩) و"نوادر الأصول" (٩٣٢) و"الضعيفة" (٥٨٨، ١٩١٦) و"الصحيحة" (٢٣٦٠).