قال صاحب "المنازل" ﵀١: (وحقائق التّوبة ثلاثة أشياء: تعظيمُ الجناية، واتِّهامُ التّوبة، وطلبُ أعذار الخليقة).
يريدون بالحقائق: ما يتحقَّق به الشَّيءُ، ويتبيَّن صحّتُه وثبوتُه، كما قال النّبيُّ ﷺ لحارثة٢: "إنّ لكلِّ حقٍّ حقيقةً، فما حقيقةُ إيمانك؟ "٣.
فأمّا تعظيم الجناية، فإنّه إذا استهان بها لم يندم عليها، وعلى قدر تعظيمها يكون ندمُه على ارتكابها. فإنَّ مَن استهان بإضاعة فَلْسٍ مثلًا لم يندم على إضاعته، فإذا علم أنّه دينارٌ اشتدّ ندمُه، وعظمت إضاعتُه عنده. وتعظيمُ الجناية يصدر عن ثلاثة أشياء: تعظيم الأمر، وتعظيم الآمر، والتَّصديق بالجزاء.
(١) "منازل السائرين" (ص ١٠).
(٢) كذا في النسخ وبعض المصادر المتأخرة الآتي ذكرها، وفي أغلب المصادر: "الحارث بن مالك".
(٣) هذا الحديث رُوي معضلًا من طرق عن صالح بن مسمار، وجعفر بن برقان، وزبيد اليامي (وهم من أتباع التابعين) عن النبي ﷺ. ينظر: "زهد ابن المبارك" (١/ ١٠٦) و"مصنف عبد الرزاق" (٢٠٠١٤) و"مصنف ابن أبي شيبة" (٣١٠٦٤) و"شعب الإيمان" (١٠١٠٨) و"تاريخ دمشق" (٥٤/ ٢٢٧). ورُوي معضلًا أيضًا من طريق محمد بن أبي الجهم ــ وهو من أتباع التابعين ــ عن الحارث بن مالك قصته. أخرجه الطبراني (٣/ ٢٦٦) وابن عساكر (٥٤/ ١٧٩). ورُوي مسندًا من طريقين من حديث أنس بن مالك ﵁، كما في "مسند البزار" (١٣/ ٣٣٣) و"تاريخ دمشق" (٣٨/ ٢٧٤)، في أحدهما متروك، وفي الآخر مجهول. وقد ضعَّفه العراقي في "تخريج الإحياء" قال العراقي في "المغني عن حمل الأسفار" (كتاب الصبر): "أخرجه البزار من حديث أنس، والطبراني من حديث الحارث بن مالك، وكلا الحديثين ضعيف".
وأمّا اتِّهامُ التّوبة، فلأنّها حقٌّ عليه، ولا يتيقَّن أنّه أدَّى هذا الحقَّ على الوجه المطلوب منه، الذي ينبغي له أن يؤدِّيه عليه، فيخاف١ أنّه ما وفَّاها حقَّها، وأنّها لم تُقبَل منه، وأنّه لم يبذل جهدَه في صحّتها، أو أنَّها توبةُ علَّةٍ وهو لا يشعر بها، كتوبة أرباب الجوائح والإفلاس، والمحافظين على جاهاتهم ومنازلهم بين النّاس، أو أنّه تاب محافظةً على حاله، فتاب للحال لا خوفًا من ذي الجلال، أو أنّه تاب طلبًا للرَّاحة من الكدِّ في تحصيل الذَّنب، أو إبقاءً على عِرضه وماله ومنصبه، أو لضعفِ داعي المعصية في قلبه وخمودِ نار شهوته، أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرِّزق، ونحو ذلك من العلل التي تقدَح في كونِ التَّوبةِ خوفًا من الله تعالى، وتعظيمًا له ولحرماته، وإجلالًا له، وخشيةً من سقوط المنزلة عنده ومن البعد والطّرد عنه والحجاب عن رؤية وجهه في الدّار الآخرة. فهذه التّوبةُ لونٌ، وتوبةُ أصحاب العلل لونٌ٢.
ومن اتِّهام التّوبة أيضًا: ضعفُ العزيمة، والتفاتُ القلب إلى الذَّنب اللَّفْتَةَ بعد اللَّفْتةِ٣، وتذكُّر حلاوة مواقعته، فربَّما تنفَّسَ، وربَّما هاج هائجُه.
ومن اتِّهام التّوبة: طمأنينتُه ومعرفتُه من نفسه بأنّه قد تاب، حتّى كأنّه قد أُعطِيَ منشورًا بالأمان! فهذا من علامات التُّهمة.
(١) ش: "يخاف". وقد وضع عليه بعضهم في ل علامة اللحق بحيث يشطب أوله، ثم كتب في الهامش: "إلا بأن" مع علامة "صح"، يعني: "إلا بأن يخاف".
(٢) وانظر ما سيأتي في (ص ٤٧٨).
(٣) طمس بعضهم في ل لام التعريف من اللَّفتتين. وفي م، ع: "الفينة بعد الفينة". وفي ش: "الهينة بعد الهينة"، تحريف.