مدارج السالكين

وأمّا اتِّهامُ التّوبة، فلأنّها حقٌّ عليه، ولا يتيقَّن أنّه أدَّى هذا الحقَّ على الوجه المطلوب منه، الذي ينبغي له أن يؤدِّيه عليه، فيخاف١ أنّه ما وفَّاها حقَّها، وأنّها لم تُقبَل منه، وأنّه لم يبذل جهدَه في صحّتها، أو أنَّها توبةُ علَّةٍ وهو لا يشعر بها، كتوبة أرباب الجوائح والإفلاس، والمحافظين على جاهاتهم ومنازلهم بين النّاس، أو أنّه تاب محافظةً على حاله، فتاب للحال لا خوفًا من ذي الجلال، أو أنّه تاب طلبًا للرَّاحة من الكدِّ في تحصيل الذَّنب، أو إبقاءً على عِرضه وماله ومنصبه، أو لضعفِ داعي المعصية في قلبه وخمودِ نار شهوته، أو لمنافاة المعصية لما يطلبه من العلم والرِّزق، ونحو ذلك من العلل التي تقدَح في كونِ التَّوبةِ خوفًا من الله تعالى، وتعظيمًا له ولحرماته، وإجلالًا له، وخشيةً من سقوط المنزلة عنده ومن البعد والطّرد عنه والحجاب عن رؤية وجهه في الدّار الآخرة. فهذه التّوبةُ لونٌ، وتوبةُ أصحاب العلل لونٌ٢.

ومن اتِّهام التّوبة أيضًا: ضعفُ العزيمة، والتفاتُ القلب إلى الذَّنب اللَّفْتَةَ بعد اللَّفْتةِ٣، وتذكُّر حلاوة مواقعته، فربَّما تنفَّسَ، وربَّما هاج هائجُه.

ومن اتِّهام التّوبة: طمأنينتُه ومعرفتُه من نفسه بأنّه قد تاب، حتّى كأنّه قد أُعطِيَ منشورًا بالأمان! فهذا من علامات التُّهمة.

  1. (١) ش: "يخاف". وقد وضع عليه بعضهم في ل علامة اللحق بحيث يشطب أوله، ثم كتب في الهامش: "إلا بأن" مع علامة "صح"، يعني: "إلا بأن يخاف".
  2. (٢) وانظر ما سيأتي في (ص ٤٧٨).
  3. (٣) طمس بعضهم في ل لام التعريف من اللَّفتتين. وفي م، ع: "الفينة بعد الفينة". وفي ش: "الهينة بعد الهينة"، تحريف.
286

ومن علاماتها: جمودُ العين، واستمرارُ الغفلة، وأنه لم يَستحدِثْ بعد التّوبة أعمالًا صالحةً لم تكن له قبلُ.

فالتّوبة المقبولة الصّحيحة لها علاماتٌ:

منها: أن يكون بعد التّوبة خيرًا ممّا كان قبل الخطيئة.

ومنها: أنّه لا يزال الخوف مصاحبًا له، لا يأمن طرفةَ عينٍ. فخوفُه مستمرٌّ إلى أن يسمع قولَ الرُّسل لقبض روحه: ﴿أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾ [فصلت: ٣٠]، فهناك يزول الخوف.

ومنها: انخلاعُ قلبه، وتقطُّعُه ندَمًا وخوفًا. وهذا على قدر عِظَمِ الجناية وصِغَرِها. وهذا تأويل ابن عيينة لقوله تعالى: ﴿لَا يَزَالُ بُنْيَانُهُمُ الَّذِي بَنَوْا رِيبَةً فِي قُلُوبِهِمْ إِلَّا أَنْ تَقَطَّعَ قُلُوبُهُمْ﴾ [التوبة: ١١٠] قال: تقطُّعها بالتّوبة١. ولا ريب أنَّ الخوفَ الشّديدَ من العقوبة العظيمة يُوجِب انصداعَ القلب وانخلاعَه، وهذا هو تقطُّعُه، وهذا حقيقةُ التَّوبة، لأنّه يتقطَّع قلبُه حسرةً على ما فرَط منه، وخوفًا من سوء عاقبته. فمن لم يتقطَّع قلبُه في الدُّنيا على ما فرَّط٢ حسرةً وخوفًا، تقطَّع في الآخرة إذا حقَّت الحقائقُ، وعاين ثوابَ المطيعين، وعقابَ العاصين. فلا بدَّ من تقطُّعِ القلب إمّا في الدُّنيا وإمّا في الآخرة.

ومن موجَبات التّوبةِ الصّحيحةِ أيضًا: كَسْرةٌ خاصَّةٌ تحصل للقلب لا

  1. (١) أخرجه ابن أبي حاتم في "تفسيره" (٦/ ١٨٨٦)، وانظر: "معاني الزجاج" (٢/ ٤٧٠)، و"النكت والعيون" (٢/ ٤٠٥).
  2. (٢) بعده في ش، ع زيادة "من"، وقد استدركت في حاشية م يعني: "فرَطَ منه".
287

الفهرس

البحث في الكتاب

    فهارس الكتاب

      القراءة

      حجم الخط
      21
      الخط
      المظهر
      العرض
      التشكيل
      التمييز بالألوان
      الحواشي
      الصفحة
      الصفحة الحالية

      مفاتيح: ← التالية · → السابقة · T الفهرس · / البحث · N الحواشي