منجى منك إلّا إليك. أسألك مسألةَ المسكين، وأبتهل إليك ابتهالَ الخاضع الذّليل، وأدعوك دعاءَ الخائف الضَّرير، سؤالَ من خضعَتْ لك رقبتُه، ورغِمَ لك أنفُه، وفاضت لك عيناه، وذلَّ لك قلبُه.
يا مَن ألوذُ به فيما أؤمِّلُهومَن أعوذ به فيما أُحاذِرُهُ١
لا يجبُر النّاسُ عظمًا أنت كاسرُهولا يَهِيضُون عَظْمًا أنت جابرُهُ٢
فهذا وأمثاله من آثار التّوبة المقبولة. فمن لم يجد ذلك في قلبه فليتَّهِمْ توبتَه، وليرجع إلى تصحيحها. فما أصعبَ التّوبةَ الصّحيحةَ بالحقيقة! وما أسهلها باللِّسان والدّعوى! وما عالج الصّادقُ شيئًا أشقَّ عليه من التّوبة الصّادقة الخالصة، فلا حول ولا قوّة إلّا بالله.
وأكثر النّاس المتبرِّئين٣ عن الكبائر الحسِّيّة والقاذورات في كبائر مثلِها أو أعظمَ منها أو دونَها، ولا يخطر بقلوبهم أنّها ذنوبٌ ليتوبوا منها! فعندهم من الإزراءِ على أهل الكبائر واحتقارِهم، وصولةِ طاعاتهم عليهم، ومنَّتِهم على الخلق بلسان الحال، واقتضاءِ بواطِنهم لتعظيم الخلق لهم على طاعاتهم اقتضاءً لا يخفى على أحدٍ غيرهم، وتوابعِ ذلك= ما هو أبغَضُ إلى الله تعالى وأبعَدُ لهم عن بابه من كبائر أولئك. فإن تدارك الله أحدَهم بقاذورةٍ أو كبيرةٍ تُوقِعُه ليكسر بها نفسه، ويعرِّفه بها قدره، ويُذِلَّه بها، ويُخرِجَ بها صولةَ
(١) كذا "فيما أحاذره" في جميع النسخ هنا وفي آخر هذه المنزلة (٢/ ٥٠). وفي "الديوان": "مما أحاذره".
(٢) البيتان للمتنبي في "ديوانه" (ص ٣٨ - ٣٩)، وقد أنشدهما المصنف له في "شفاء العليل" (ص ٢٤٠).
(٣) ع: "المتنزِّهين".
الطّاعة من قلبه = فهي رحمةٌ في حقِّه، كما أنّه إذا تدارك أصحابَ الكبائر بتوبةٍ نصوحٍ وإقبالٍ بقلوبهم إليه، فهو رحمةٌ في حقِّهم، وإلّا فكلاهما على خطرٍ.
فصل
وأمّا طلب أعذار الخليقة، فهذا له وجهان: وجهٌ محمودٌ، ووجهٌ مذمومٌ حرامٌ.
فالمذموم: أن يطلب أعذارَهم نظرًا إلى الحكمِ القدَريِّ وجريانِه عليهم، شاؤوا أم أبوا، فيعذِرَهم بالقدَر.
وهذا القَدْرُ ينتهي إليه كثيرٌ من السّالكين النّاظرين إلى القدر الفانين في شهوده، وهو ــ كما تقدّم ــ دربٌ خَطِرٌ جدًّا، قليل المنفعة، لا يُنجِي وحده.
وأظنُّ هذا مراد صاحب "المنازل"، لأنّه قال بعد ذلك١: (إنَّ مشاهدةَ العبدِ الحُكمَ لم تدَعْ له استحسانَ حسنةٍ ولا استقباحَ سيِّئةٍ، لصعوده من جميع المعاني إلى معنى الحُكْم).
وهذا الشُّهودُ شهودٌ ناقصٌ مذمومٌ، إن طرَدَه صاحبُه، فعذَر أعداءَ الله وأهلَ مخالفته ومخالفة رسله، وطلَب أعذارهم= كان مضادًّا لله في أمره، عاذرًا من لم يعذِره الله، طالبًا عذرَ من لامه الله وأمَر بلَومِه. وليست هذه موافقةً لله، بل موافقتُه لومُ هذا، واعتقادُ أنّه لا عذر له عند الله ولا في نفس الأمر. فالله ﷿ قد أعذَر إليه، وأزال عذرَه بالكلِّيّة. ولو كان معذورًا في نفس الأمر عند الله لما عاقبه البتّة، فإنّ الله أرحَم وأغنى وأعدَل من أن يعاقب
(١) في ذكر "لطائف سرائر التوبة" (ص ١١) وسيأتي الكلام عليه في محلّه أيضًا.