ومن طعن في هذه الأحاديث بأنّ الآخرة دارُ جزاءٍ لا دارُ تكليفٍ، فهذه الأحاديث مخالفةٌ للعقل= فهو جاهلٌ، فإنَّ التَّكليفَ إنّما ينقطع بدخول دار القرار: الجنّة أو النّار، وإلّا فالتَّكليفُ واقعٌ في البرزخ وفي العرصات. ولهذا يدعوهم إلى السُّجود له في الموقف، فيسجد المؤمنون له طوعًا واختيارًا، ويُحال بين الكفّار والمنافقين وبين السُّجود٢.
والمقصود: أنّه لا عذر لأحدٍ البتّةَ في معصية الله ومخالفة أمره، مع علمِه بذلك، وتمكُّنِه من الفعل والتّرك. ولو كان له عذرٌ لما استحقَّ العقوبةَ واللّومَ، لا في الدُّنيا ولا في العقبى.
فإن قيل: هذا كلامٌ بلسان الجاه٣ بالشّرع، ولو نطقتَ بلسان
(١) أخرجه أحمد (١٦٣٠٢) وإسحاق (٤٢) والبزار (٢١٧٥ - كشف الأستار) والبيهقي في "الاعتقاد" (ص ١١١) والضياء (٤/ ٢٥٥)، وإسناده حسن لأجل معاذ بن هشام الدستوائي .. وأخرجه بنحوه إسحاق (٥١٤) وابن أبي عاصم في "السنة" (٤١٣ - نشرة الجوابرة) وأسد بن موسى في "الزهد" (٩٧، ٩٨) من طريقين منقطعين عن أبي هريرة ﵁. وأخرجه بنحوه موقوفًا على أبي هريرة: عبد الرزاق في "التفسير" (٢/ ٢٩٢) والطبري في "تفسيره" (١٤/ ٥٢٦) من ثلاثة طرق عنه. وانظر: "الصحيحة" (١٤٣٤) و"ظلال الجنة" (٤٠٤).
(٢) يشير إلى قوله تعالى في سورة القلم (٤٢): ﴿صَادِقِينَ ٤١ يَوْمَ يُكْشَفُ عَنْ سَاقٍ وَيُدْعَوْنَ إِلَى السُّجُودِ﴾ وانظر: "طريق الهجرتين" (٢/ ٨٧٦).
(٣) م: "الجاه والشرع".
الحقيقة١ لعذرتَ الخليقةَ، إذ هم صائرون إلى مشيئة الله فيهم وما قضَاه وقدَّره عليهم ولا بدّ، فهم مَجارٍ لأقداره، وسهامُها نافذةٌ فيهم، وهم أغراضٌ لسهام الأقدار لا تخطئهم البتّة. ولكن من غلَب عليه مشاهدةُ الحكم الشّرعيِّ لم يمكنه طلبُ العذر لهم، ومن غلَب عليه مشاهدةُ الحكم الكونيِّ عذَرهم. فأنت معذورٌ في الإنكار علينا بحقيقة الشّرع، ونحن معذورون في طلب العذر بحقيقة الحكم، وكلانا مصيبٌ.
فالجواب من وجوهٍ:
أحدها: أن يقال: العذر إن لم يكن مقبولًا لم يكن نافعًا. والاعتذارُ بالقدَر غير مقبولٍ، ولا يُعذَر به أحدٌ، ولو اعتذر فهو كلامٌ باطلٌ لا يفيد شيئًا البتّة، بل يزيد في ذنب الجاني، وغضبِ الرَّبِّ عليه. وما هذا شأنُه لا يشتغل به عاقلٌ.
الثّاني: أنَّ الاعتذارَ بالقدَر يتضمَّن تنزيهَ الجاني نفسَه وتبرئة ساحتِه ــ وهو الظّالم الجاهل ــ والحملَ على القدر، ونسبةَ الذّنب إليه، وتظليمَه بلسان الحال والقال، بتحسين العبارة وتلطيفها. وربّمَا غلبه الحالُ، فصرَّح بالوجد، كما قال بعض خُصَماء الله تعالى:
ألقاه في اليمِّ مكتوفًا وقال لهإيّاك إيّاك أن تبتلَّ بالماء٢
(١) ج، م، ش: "لسان"، وكذا كان في ق، ل ثم زيدت الباء.
(٢) أنشده المؤلف في "طريق الهجرتين" (١/ ١٧٩)، و"شفاء العليل" (ص ٤) أيضًا. وهو للحلاج في "ديوانه" (ص ٢٦) وقبله: ما يفعل العبد والأقدارُ جاريةٌ ... عليه في كلِّ حالٍ أيُّها الرَّائي